جاري التحميل...

غزة بين التهدئة والتهجير فهل تكشف تصريحات نتنياهو وكاتس الحقيقة الكاملة؟

بقلم : الدكتورة تمارا حداد.

لم تعد التصريحات الإسرائيلية الأخيرة بشأن قطاع غزة مجرد مواقف سياسية عابرة أو رسائل موجهة إلى الداخل الإسرائيلي، بل أصبحت مؤشراً خطيراً إلى طبيعة المرحلة المقبلة. فبينما يفترض أن يكون وقف إطلاق النار مدخلاً إلى تثبيت التهدئة، وفتح الطريق أمام المساعدات وإعادة الإعمار وعودة الحياة إلى القطاع، يخرج رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ليؤكد أن إسرائيل لا تنوي الانسحاب من المناطق التي تسيطر عليها في غزة، فيما يعلن وزير الدفاع يسرائيل كاتس أن خطة إخراج الفلسطينيين من القطاع ما زالت قائمة، وأن حكومته مستعدة لتنفيذها بوسائل مختلفة بانتظار موافقة واشنطن.

هذه التصريحات تضع علامات استفهام كبيرة أمام مستقبل اتفاق وقف إطلاق النار، وتكشف أن إسرائيل لا تتعامل مع الهدنة باعتبارها نهاية للحرب، وإنما باعتبارها مرحلة يمكن استثمارها لتثبيت واقع عسكري وجغرافي جديد داخل قطاع غزة.

أخطر ما حملته تصريحات نتنياهو هو تأكيده أن القوات الإسرائيلية تسيطر على نحو 60% من مساحة القطاع، مع التشديد على استمرار العمليات العسكرية والسعي إلى جعل غزة منزوعة السلاح.

سياسياً، يعني ذلك أن إسرائيل تحاول تحويل وجودها العسكري من وضع مؤقت مرتبط بالحرب إلى واقع أمني وجغرافي طويل الأمد.

وهنا تكمن المشكلة الأساسية أي وقف لإطلاق النار يفترض أن يقود إلى خفض التصعيد والانسحاب التدريجي وإعادة بسط الحياة المدنية، وليس إلى تثبيت مناطق سيطرة عسكرية جديدة.

فإذا بقي الجيش الإسرائيلي داخل مساحات واسعة من غزة، واستمر في فرض مناطق عازلة ومنع السكان من العودة إلى مناطقهم، فإن الحديث عن وقف إطلاق النار يصبح ناقصاً لأن الحرب قد تتوقف من حيث كثافة العمليات، لكنها تستمر من خلال السيطرة على الأرض والتحكم بحركة السكان والمساعدات وإعادة الإعمار.

أما تصريحات يسرائيل كاتس فتتجاوز مسألة الاحتلال العسكري إلى البعد الديموغرافي.

كاتس أعلن أن لدى الحكومة الإسرائيلية خططاً جاهزة لإخراج الفلسطينيين من غزة، وقال إن الحل النهائي للقطاع، لا يمكن أن يتحقق من دون ما سماه “الهجرة”، مضيفاً أن إسرائيل مستعدة لتنفيذ ذلك عبر البحر والجو وبوسائل مختلفة، وأن الخطة تحتاج إلى موافقة أمريكية.

الواقع أن فكرة إخراج الفلسطينيين من غزة ليست جديدة، لكنها اكتسبت خلال الفترة الأخيرة غطاءً سياسياً أكثر وضوحاً. والخطير أن الحديث لم يعد يدور فقط عن “خيار” أو “اقتراح”، وإنما عن وجود خطط جاهزة وآليات لتنفيذها.

وهذا يعني أن مشروع التهجير لم يُدفن بالكامل، حتى لو جرى تجميده سياسياً في مراحل سابقة.

لا يمكن فصل التصريحات السياسية عن الواقع الميداني. فاستمرار الضربات الإسرائيلية وسقوط الضحايا بعد إعلان وقف إطلاق النار، إلى جانب القيود على دخول المساعدات ومنع أو تعطيل إدخال مستلزمات إعادة الإعمار، يجعل الهدنة في وضع هش للغاية.

الوضع الكارثي في غزة يجعل مسألة “الهجرة الطوعية” موضع شك كبير فالخروج الذي يحدث في ظل القصف والحصار وانعدام المسكن والغذاء والدواء والأمن لا يمكن فصله عن الظروف التي تدفع السكان إلى مغادرة أماكنهم.

القراءة الأكثر خطورة للتطورات الحالية هي أن إسرائيل قد تكون بصدد الجمع بين هدفين الأول، السيطرة على الأرض من خلال استمرار الوجود العسكري في أجزاء واسعة من القطاع.

والثاني، إعادة تشكيل التركيبة السكانية من خلال دفع الفلسطينيين إلى ترك غزة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

وهنا يصبح تدمير المدن والمنازل والبنية التحتية ليس مجرد نتيجة للحرب، بل عاملاً يؤثر في قدرة السكان على البقاء.

فعندما يجد الفلسطيني أن منزله مدمر، وأن الخدمات الأساسية غير متوفرة، وأن إعادة الإعمار ممنوعة أو مقيدة، وأن الحركة محاصرة، وأن القصف يمكن أن يتجدد في أي لحظة، فإن البيئة تصبح طاردة للسكان.

ولهذا فإن المعركة الحقيقية قد لا تكون فقط على الأرض، وإنما على حق الفلسطيني في البقاء على أرضه.

المفارقة أن إسرائيل تتحدث عن تحقيق أهداف أمنية في غزة، بينما تستمر في اتخاذ إجراءات تجعل الانتقال إلى مرحلة سياسية أكثر صعوبة.

فالتهدئة تحتاج إلى الثقة، والثقة تحتاج إلى وقف فعلي للهجمات، وانسحاب واضح أو متفق عليه، وفتح المعابر أمام المساعدات، والسماح بإعادة الإعمار، وخلق ظروف تسمح للسكان بالعودة إلى مناطقهم.

أما عندما يسمع الفلسطيني أن القوات الإسرائيلية لن تنسحب، وأن الحكومة الإسرائيلية لديها خطط لإخراجه من القطاع، فإن الرسالة التي تصل إليه هي أن وقف إطلاق النار قد لا يكون سوى هدنة بين مرحلتين من الصراع. وهذا هو الخطر الأكبر.

ويمكن تفسير الإصرار الإسرائيلي على عدم الانسحاب بعدة أهداف محتملة.

أولاً، منع حركة حماس والفصائل الفلسطينية من إعادة بناء قدراتها.

ثانياً، فرض واقع أمني جديد على القطاع.

ثالثاً، السيطرة على مناطق واسعة يمكن استخدامها كورقة تفاوضية في أي مفاوضات لاحقة.

رابعاً، الضغط على السكان عبر التحكم في مناطق الحركة والعودة.

وخامساً، إبقاء ورقة التهجير مطروحة إلى أن تتوفر الظروف الإقليمية والدولية المناسبة لتنفيذها.

ولهذا فإن السيطرة العسكرية الإسرائيلية على مساحة واسعة من غزة لا ينبغي التعامل معها كترتيب أمني مؤقت فقط، بل كعامل يمكن أن يعيد رسم شكل القطاع سياسياً وجغرافياً.

أما الموقف الأمريكي فتصريحات كاتس تكشف أيضاً أن واشنطن ما زالت لاعباً أساسياً في مسألة التهجير.

فهو تحدث عن انتظار موافقة أمريكية، في حين أن الولايات المتحدة كانت قد شهدت في وقت سابق طرحاً لإخراج سكان غزة، قبل أن يواجه المشروع اعتراضات إقليمية ودولية وفلسطينية واسعة. كما أن الخطة الأمريكية اللاحقة للقطاع تضمنت عدم التهجير القسري.

وبالتالي هل ستسمح الإدارة الأمريكية بتحويل فكرة تهجير الفلسطينيين من مجرد طرح سياسي إلى سياسة عملية. وهنا سيكون موقف مصر والدول العربية والمجتمع الدولي عاملاً حاسماً، خصوصاً أن أي عملية تهجير جماعي من غزة ستخلق تداعيات إقليمية وأمنية وسياسية تتجاوز حدود القطاع.

المشروع الأخطر ليس بالضرورة أن يصدر قرار رسمي يقول “نريد تهجير مليوني فلسطيني”.

قد يحدث الأمر تدريجياً من خلال إبقاء السكان في مناطق محدودة، ومنع العودة إلى مناطق واسعة، استمرار القصف، تأخير إعادة الإعمار، تقييد المساعدات، تدمير مصادر الحياة، ثم تقديم الخروج من غزة باعتباره “خياراً إنسانياً”.

وهنا يتحول التهجير من قرار مباشر إلى نتيجة مفروضة بفعل الظروف.

وهذا السيناريو يحتاج إلى مواجهة سياسية وقانونية ودولية مبكرة، قبل أن يتحول إلى أمر واقع.

قطاع غزة اليوم أمام مفترق طرق حقيقي. فإما أن يتحول وقف إطلاق النار إلى مسار سياسي حقيقي، يؤدي إلى وقف شامل للعمليات، وانسحاب متفق عليه، وفتح المعابر، وإدخال المساعدات، وبدء إعادة الإعمار، وضمان بقاء الفلسطينيين وعودتهم إلى مناطقهم.

وإما أن يتحول وقف إطلاق النار إلى مرحلة انتقالية يجري خلالها تثبيت الاحتلال العسكري وإعادة ترتيب القطاع أمنياً وجغرافياً وديموغرافياً.

والتصريحات الأخيرة لنتنياهو وكاتس تعطي مؤشرات مقلقة على السيناريو الثاني.

فحين يقول نتنياهو إن إسرائيل لن تنسحب من المناطق التي تسيطر عليها، ويقول كاتس إن خطة إخراج الفلسطينيين ما زالت موجودة، فإن الرسالة السياسية الواضحة هي أن إسرائيل لم تغلق بعد ملف الاحتلال ولا ملف التهجير.

ما يحدث في غزة لا ينبغي اختزاله في مسألة خروقات متفرقة لوقف إطلاق النار. فالتطور الأخطر يتمثل في محاولة الجمع بين الوجود العسكري الإسرائيلي، واستمرار الضغط على السكان، وتعطيل إعادة الإعمار، وإبقاء خيار التهجير مطروحاً.

وهذا يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي هل يتعامل مع وقف إطلاق النار باعتباره مجرد انخفاض في مستوى القصف، أم باعتباره التزاماً يجب أن يقود إلى إنهاء العمليات العسكرية والاحتلال وإعادة الحياة إلى القطاع؟

أما بالنسبة للفلسطينيين، فإن المعركة لم تعد فقط من أجل وقف القصف، وإنما من أجل منع تحويل غزة إلى أرض مدمرة بلا سكان، أو إلى منطقة محاصرة يعيش فيها الفلسطينيون تحت تهديد دائم بالاقتلاع.

فالهدنة التي لا توقف القتل، ولا تسمح بالعودة، ولا تفتح الطريق لإعادة الإعمار، ولا تمنع التهجير، قد تتحول من جسر نحو السلام إلى جسر نحو مرحلة جديدة من الصراع.