من يحب حركة فتح لا يصفق لها وهي تخطئ، ولا يجاملها وهي تتراجع، بل يقف أمامها بصدق ليقول: هنا مكمن الخطر، وهنا يجب أن نبدأ الإصلاح. فالوفاء الحقيقي للحركة التي صنعت التاريخ وقدمت آلاف الشهداء والأسرى والجرحى، هو أن نحمي مستقبلها كما حمت هي هوية شعبنا الفلسطيني.
اليوم، ونحن نقترب من استحقاقات سياسية قد تفرض نفسها في أي لحظة، يحق لكل فتحاوي أن يسأل: هل أصبحت حركة فتح جاهزة فعلاً لخوض الانتخابات التشريعية والرئاسية؟ أم أننا ما زلنا نتحرك ببطء لا ينسجم مع حجم التحديات التي تواجه المشروع الوطني؟
التصريحات التي شككت في إمكانية إجراء الانتخابات في موعدها تعكس واقعاً سياسياً معقداً، لكن حتى لو تأجلت الانتخابات، فإن السؤال الأهم يبقى قائماً: هل استثمرنا الوقت في ترتيب بيتنا الداخلي؟ وهل استعدت الحركة تنظيمياً وجماهيرياً وسياسياً لأي استحقاق قادم؟
منذ انتهاء المؤتمر الحركي، كان الأمل أن تبدأ مرحلة جديدة عنوانها تجديد الدماء، وإعادة الاعتبار للأطر التنظيمية، وفتح المجال أمام الكفاءات، واستعادة ثقة الشارع. لكن ما يراه كثير من أبناء الحركة هو أن خطوات الترتيب جاءت بطيئة، بينما كانت الأحداث على الأرض تتسارع بصورة غير مسبوقة.
الضفة الغربية تعيش ظروفاً استثنائية سياسياً وأمنياً واقتصادياً واجتماعياً، وكل ذلك ينعكس بصورة مباشرة على المزاج الشعبي. وفي مثل هذه الظروف لا يكفي الاعتماد على تاريخ فتح المجيد، لأن الشعوب تصوت أيضاً على الأداء، وعلى القدرة على تقديم رؤية واضحة للمستقبل.
ويزداد القلق عندما نشهد حالة من التشتت داخل الصف الفتحاوي، حيث تظهر بين الحين والآخر شخصيات محسوبة على الحركة تعلن خوض الانتخابات عبر قوائم مستقلة أو بعيدة عن الإطار التنظيمي. قد يكون لكل طرف مبرراته، لكن النتيجة واحدة: تشتيت الصوت الفتحاوي وإضعاف الحضور الوطني للحركة.
إن أكبر هدية يمكن أن تُقدم لمنافسي فتح ليست قوة الآخرين، وإنما استمرار الانقسام داخل البيت الفتحاوي. فالتاريخ يعلمنا أن فتح كانت تنتصر عندما تتوحد، وكانت تدفع الثمن عندما تتفرق.
لسنا بحاجة إلى خطابات تعبئة فقط، بل إلى مراجعة شاملة وشجاعة. مراجعة تبدأ من احترام المؤسسات، وتعزيز دور الأقاليم والمناطق، والاستماع إلى القواعد التنظيمية، وإعطاء مساحة حقيقية للشباب والمرأة وأصحاب الكفاءة، لأن الحركة لكي لا نكرر انفسنا واخطائنا
إن فتح ليست تنظيماً عادياً في الحياة السياسية الفلسطينية، بل هي العمود الفقري للمشروع الوطني الفلسطيني، وأي تراجع يصيبها لا ينعكس عليها وحدها، بل ينعكس على القضية الفلسطينية بأسرها. ولهذا فإن مسؤولية قيادتها اليوم مضاعفة، لأن المرحلة لا تحتمل التردد ولا إدارة الوقت بعقلية الانتظار.
إن أبناء فتح لا يريدون معركة على المواقع، بل يريدون حركة قوية، موحدة، قادرة على استعادة ثقة شعبها، ومؤهلة لخوض أي انتخابات وهي واثقة من نفسها، لا خائفة من نتائجها.
قد يكون الوقت ما زال متاحاً، لكنه لن يبقى كذلك إلى الأبد. وما تحتاجه الحركة اليوم ليس المزيد من المجاملات، وإنما قرار شجاع يعيد ترتيب البيت الفتحاوي بسرعة، ويوحد الصف، ويغلق أبواب التشتت ويؤكد أن فتح التي صنعت التاريخ لا تزال قادرة على صناعة المستقبل.
إن النقد الصادق ليس خروجاً على الحركة، بل دفاع عنها. ومن يحب فتح حقاً، يخاف عليها أكثر مما يخاف منها، ويؤمن أن مكانتها لا تُحفظ بالشعارات، وإنما بالوحدة، والانضباط، والإنجاز، والاقتراب من نبض أبناء الحركة والشعب الفلسطيني