بقلم :م.محمد علي العايدي
تتقاطع اليوم على الساحة الفلسطينية خطوط تحالف غريبة الشكل، متناقضة المضمون، لا يجمعها فكر ولا برنامج ولا رؤية وطنية، بل يجمعها هدف واحد معلن بصمت: إسقاط حركة “فتح” في الاستحقاق التشريعي القادم. تحالف يمتد من أقصى اليسار إلى تيارات الإسلام السياسي، مرورًا بمن يوصفون بـ”الإكستراثوريين” الباحثين عن موطئ قدم في مشهد سياسي مضطرب. تجمعهم المصلحة الآنية، وتفرقهم كل قناعة، لكنهم يتفقون جميعًا على نقطة واحدة: إضعاف الحركة التي حملت لواء المشروع الوطني الفلسطيني منذ تأسيس منظمة التحرير، وقادت مسيرة الكفاح والبناء والدولة على مدى عقود.
ليس سرًا أن بعض من راهن على “حماس” اليوم هو ذاته من كان بالأمس أشد المنتقدين لتجربتها في غزة، وليس خافيًا أن من التقى محمد دحلان -الذي وصفوه هم أنفسهم في أدبياتهم بأبشع الأوصاف قبل أن يجدوا فيه اليوم حليفًا مناسبًا- إنما يكشف زيف الشعارات التي يرفعونها. حين يجتمع من كان بالأمس خصمًا لدودًا مع من كان “خائنًا” في قاموسهم السياسي، فإن القضية لم تعد قضية مبدأ أو مشروع وطني، بل باتت قضية حسابات ضيقة وتصفية حسابات قديمة، تحت عناوين برّاقة يُراد منها تجميل تحالف لا ينتظم إلا حول عداء واحد عداء فتح.
أما اليسار الذي انضم إلى هذا الخليط، فقد اختار أن ينسى -أو يتناسى- أن الشعب الفلسطيني لم ينسَ غزة، ولم ينسَ ما جرى فيها. لم ينسَ الحصار الذي طال الفصائل قبل الأفراد، ولم ينسَ سنوات الانقسام التي مزّقت وحدة الصف الفلسطيني ومكّنت الاحتلال من المناورة على حساب معاناة أهلنا. الرهان على أن الذاكرة الشعبية قصيرة، وأن الجراح تُنسى بمجرد تغيير الخطاب أو تلوين الشعارات، رهانٌ خاسر يستهين بوعي شعبٍ دفع الثمن غاليًا ولا يزال يدفعه.
فتح ليست تنظيما عابرًا
وهي ليست تنظيمًا سياسيًا كسائر التنظيمات، بل هي عمود الخيمة الوطنية التي احتضنت كل أطياف الشعب الفلسطيني، وحملت مشروع التحرر الوطني منذ انطلاقتها، وقدّمت من الشهداء والأسرى ما لم تقدمه الفصائل مجتمعة. من يظن أن بالإمكان إسقاطها بتحالف مصلحي هش، فإنما يجهل طبيعة هذه الحركة التي وُلدت من رحم المعاناة، وصمدت أمام محاولات التصفية والتفتيت والاحتواء طوال أكثر من ستة عقود. فتح تنكسر أحيانًا، تتعثر، تُخطئ كما يخطئ كل تنظيم بشري، لكنها لا تُستأصل، لأنها ببساطة ليست تنظيمآ عابرًا، بل هي التعبير التاريخي عن إرادة شعب في التحرر والاستقلال.
وهنا اوجه رسالتي إلى قيادة الحركة واقول لهم
أن الرد على هذه التحالفات لا يكون بالخطابة وحدها، بل بالفعل العاجل والحاسم. و على قيادة فتح أن تدرك أن الساحة لا تحتمل مزيدًا من التأجيل في ترتيب البيت الداخلي، وتجديد الخطاب، وفتح الأبواب أمام الكفاءات والأجيال الشابة التي تحمل الحلم ذاته بأدوات العصر. المطلوب اليوم مراجعة جريئة، وتماسك تنظيمي حقيقي، ونظرة ثاقبة تُدرك أبعاد هذه التحالفات وأهدافها الحقيقية البعيدة عن الشعارات المعلنة، حتى لا تتحول الساحة الفلسطينية إلى مسرح لصراعات نفوذ تتلطى خلف قضايا الشعب ومستقبله.
و كلمة أخيرة
لمن يظنون أن الطريق إلى السلطة يمر عبر تحالفات الظل وتصفية الحسابات القديمة، نقول بوضوح: الشعب الفلسطيني أذكى من أن تُشترى ذاكرته، وأعمق وعيًا من أن تُختصر قضيته في صفقات انتخابية عابرة. وفتح، على كل ما تحمله من تحديات وأثقال المرحلة، تبقى عصيّة على الانكسار، لأن جذورها في وجدان هذا الشعب أعمق من أن تقتلعها تحالفات لا تجمعها سوى المصلحة الآنية وعداء مشترك.