في ظل واقع إنساني واقتصادي بالغ التعقيد، تتبدل ملامح إدارة الحياة اليومية في قطاع غزة، وبين ضغوط متراكمة وتحديات مستمرة اثر تراجع حكومة حماس عن الأداء بالأدوار المنوط بها، يبرز دور العشائر والعائلات الكبيرة كفاعل ميداني يحاول احتواء الأزمات وفرض قدر من التنظيم، في مشهد يراه البعض “ضرورة فرضتها الظروف”، فيما يحذّر آخرون من تبعاته على المدى البعيد.
وخلال الأشهر الأخيرة، رصد مواطنون تناميا في حضور الوجهاء والعائلات الكبرى في حل النزاعات اليومية، بدءا من الخلافات الفردية وصولا إلى القضايا المجتمعية الأوسع.
يقول أحد سكان جنوب القطاع، مفضّلًا عدم ذكر اسمه: “في مشاكل بتصير كل يوم… اللي بحلها فعليا هم كبار العائلات.. القرار عندهم سريع، والكل بيلتزم”.
ويضيف آخر من مدينة غزة: “الناس بدها حد يفرض النظام، لما تتأخر الإجراءات الرسمية، العشيرة بتتدخل وبتنهي الموضوع خلال ساعات”.
ووفقا لمراقبين، فإن هذا التحوّل لا يأتي من فراغ، بل نتيجة ضغوط مركبة تشمل تراجع الخدمات الحكومية والمؤسساتية، وتعقيدات الواقع الأمني، وصعوبة إدارة الملفات اليومية في ظروف استثنائية امتدت منذ عامين ونصف العام.
كما يبرز ملف المساعدات كأحد أبرز ساحات التأثير هذه الأيام في بعض المناطق، يتحدث مواطنون عن دور لوجهاء محليين في تنظيم قوائم المستفيدين أو تسهيل الوصول إلى الدعم.
يقول أحد المتابعين للشأن المحلي: “في أحياء معينة، في ناس بتعتمد على العشيرة عشان ترتب الدور وتوصل المساعدة بسرعة… خصوصا لما يكون في ضغط كبير”.
لكن هذا الواقع يفتح بابا واسعا للجدل، فلقد حذر ناشطون من أن غياب آليات رقابة واضحة قد يخلق تفاوتا في التوزيع أو يمنح الأفضلية لمن لديهم روابط عائلية أقوى.
ويرى مؤيدو هذا الحضور أن العشائر تمتلك أدوات تقليدية فعّالة في الضبط الاجتماعي من خلال الأعراف، والوساطات، والضغط المجتمعي، الأمر الذي يحدّ من تفاقم الخلافات.
ويقول أحد الوجهاء: “نحن نحاول نمنع الفوضى ونهدّي النفوس… هذا دورنا الاجتماعي قبل أي شيء”.
في المقابل، يحذر حقوقيون من تحوّل هذا الدور إلى سلطة موازية خارج الأطر القانونية، ما قد يخلق ازدواجية في المرجعيات ويؤثر على مبدأ العدالة.
ويؤكد باحث اجتماعي أن “العشيرة ممكن تكون حلا سريعا، لكنها ليست بديلا عن مؤسسات تُدار بالقانون والشفافية”.
ويربط مراقبون تنامي هذا الدور بعدة عوامل متداخلة في هذه الأوقات العصيبة التي تمر بها غزة، مثل الضغط الاقتصادي والإنساني الذي يفرض حلولا سريعة على الأرض، وتعقيد الوصول للخدمات في بعض المناطق، وقوة الروابط العائلية كشبكة دعم جاهزة، والحاجة لآليات فض نزاعات سريعة في ظل توتر مستمر.
ويرى المراقبون أن هذه العوامل مجتمعة دفعت شرائح من المجتمع للاعتماد أكثر على الأطر التقليدية التي تمتلك حضورا مباشرا في الأحياء والمخيمات.
ورغم الاعتراف بدور العشائر في التهدئة أحيانا، يبقى القلق قائما -وفقا لمتابعين- من غياب المعايير الموحدة في اتخاذ القرارات، واحتمال تغليب الانتماء العائلي على العدالة، صعوبة المساءلة خارج الإطار المؤسسي.
يقول ناشط مدني: “أي حل خارج إطار القانون لازم يكون مؤقت… وإلا بنخلق مشاكل أكبر على المدى الطويل”.
إن هذا الواقع الصعب في قطاع غزة يعكس بحثا مستمرا عن أدوات فاعلة لإدارة يوميات صعبة تحت ضغط استثنائي، وبين من يرى في العشائر شبكة أمان سريعة، ومن يحذر من تحولها إلى بديل دائم، تبقى المعادلة حساسة: كيف يمكن الاستفادة من الدور المجتمعي دون تقويض دور المؤسسات؟ ولكن التخوف من أن يكون ذلك بداية لتحول أعمق في شكل إدارة المجتمع داخل القطاع.







