فشل أوروبا في محاسبة إسرائيل يكرّس ازدواجية المعايير

السياسي – يواجه الاتحاد الأوروبي انتقادات متصاعدة بسبب ما يُنظر إليه كعجز سياسي وفشل في فرض عقوبات على دولة الاحتلال الإسرائيلي، في ظل تصاعد الأزمات الدولية وتزايد الاتهامات بازدواجية المعايير، ما يعزز تراجع دوره وتأثيره على الساحة العالمية.

وتأتي هذه الانتقادات في سياق اضطراب النظام الدولي منذ اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا عام 2022، حيث تبنت الدول الغربية، بقيادة الولايات المتحدة، سياسات صارمة شملت العقوبات الاقتصادية والدعم العسكري، ما أدى إلى تداعيات اقتصادية واسعة.

ولاحقاً، ساهمت تطورات الشرق الأوسط، بدءاً من أحداث 7 أكتوبر 2023 وما تلاها من حرب الإبادة الإسرائليية في غزة، وصولاً إلى التصعيد في لبنان والهجمات المشتركة على إيران، في تعميق حالة الفوضى الجيوسياسية، مع تصاعد التوترات بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين.

في هذا السياق، برز الدور الأوروبي كعامل ثانوي، رغم امتلاكه مقومات قوة كبيرة، تشمل كتلة سكانية تقارب 500 مليون نسمة، واقتصاداً موحداً، ونفوذاً مؤسسياً واسعاً، إضافة إلى مساهمته بنسبة 42% من المساعدات التنموية العالمية وتمويل ربع ميزانية الأمم المتحدة.

رغم ذلك، تشير المعطيات إلى أن الاتحاد الأوروبي لم ينجح في توظيف هذه القوة الناعمة للتأثير في مسار الأزمات الدولية، مفضلاً التكيف مع السياسات الأمريكية أو تجاهل بعض الانتهاكات المرتبطة باستخدام القوة العسكرية.

تناقض في الخطاب الأوروبي

يتجلى هذا التناقض في خطاب الممثلة العليا للسياسة الخارجية كايا كالاس، التي وصفت الوضع العالمي بأنه أخطر انتهاك للقانون الدولي منذ الحرب العالمية الثانية، لكنها تجنبت تحديد المسؤوليات بشكل واضح في الشرق الأوسط، خلافاً لموقفها الصريح تجاه روسيا.

وتشير الانتقادات إلى أن هذا التباين يعكس ازدواجية في المعايير، حيث يتم توصيف روسيا كطرف معتدٍ، بينما يتم استخدام لغة عامة وغامضة عند الحديث عن العمليات العسكرية في الشرق الأوسط، دون الإشارة المباشرة إلى الولايات المتحدة أو دولة الاحتلال الإسرائيلي.

كما يبرز التناقض في ملف المساءلة، إذ يدعم الاتحاد الأوروبي إنشاء محاكم لمحاسبة روسيا، بينما يتجاهل مطالب مماثلة تتعلق بانتهاكات أخرى، رغم الإشارة إلى أن استخدام القوة يجب أن يكون محصوراً بحالات الدفاع عن النفس أو بتفويض من مجلس الأمن الدولي.

وقد تعزز هذا الجدل مع فشل وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في اجتماعهم في لوكسمبورغ في تعليق اتفاقية الشراكة مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، رغم دعوات داخلية واسعة شملت أكثر من مليون مواطن أوروبي، ومئات الدبلوماسيين السابقين، ومنظمات حقوقية.

انقسام أوروبي سلبي

كانت هذه الخطوة، في حال إقرارها، ستشكل أداة ضغط فعالة، نظراً لكون الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الأكبر لدولة الاحتلال الإسرائيلي، كما أن الاتفاقية نفسها تنص على احترام حقوق الإنسان كمبدأ أساسي للتعاون.

إلا أن معارضة دول مثل ألمانيا وإيطاليا والنمسا وجمهورية التشيك حالت دون تمرير القرار، رغم دعم إسبانيا وسلوفينيا وأيرلندا له.

ويرى مراقبون أن هذا الفشل يعكس تناقضاً بين الخطاب والممارسة، حيث يسارع الاتحاد إلى فرض عقوبات في بعض الحالات، بينما يتردد في حالات أخرى، ما يضعف مصداقيته الدولية.

ويشير هذا المسار إلى تراجع القدرة الأوروبية على لعب دور مستقل في النظام الدولي، مع استمرار الاعتماد على المواقف الأمريكية، وتزايد الانتقادات بشأن ازدواجية المعايير، ما يضع مستقبل السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي أمام تحديات بنيوية تتعلق بالتماسك والفاعلية والمصداقية.