فلسطين على مفترق تاريخي: صمود لا ينكسر وغضب يقترب من الانفجار

بقلم : محمد علي العايدي

لم يعد المشهد الفلسطيني مجرد أزمة سياسية عابرة أو جولة جديدة من الصراع مع الاحتلال، بل أصبح مواجهة مفتوحة بين شعب يتمسك بحقه في الحياة والحرية فوق أرضه، وبين مشروع احتلالي يسعى إلى فرض وقائع جديدة بالقوة العسكرية والاستيطان والحصار والتجويع.

ففي قطاع غزة، تتواصل الحرب الإسرائيلية بكل ما تحمله من قتل ودمار واستهداف للبنية التحتية ومقومات الحياة، ويسقط الشهداء يومياً في مشهد يعكس حجم المأساة الإنسانية التي يعيشها أبناء الشعب الفلسطيني. وفي الضفة الغربية، تتصاعد اعتداءات المستوطنين تحت حماية قوات الاحتلال، بينما تتوسع المستوطنات وتتعمق سياسات القمع والاعتقال ومصادرة الأراضي، في محاولة واضحة لكسر إرادة الفلسطينيين وإخضاعهم للأمر الواقع.

وفي الوقت ذاته، تواصل إسرائيل استخدام أموال المقاصة كسلاح سياسي واقتصادي ضد الشعب الفلسطيني، الأمر الذي أدى إلى تدهور الأوضاع المعيشية وارتفاع معدلات الفقر والبطالة واتساع دائرة المعاناة الاجتماعية. إن ما يجري ليس مجرد أزمة مالية، بل سياسة منظمة تهدف إلى إنهاك المجتمع الفلسطيني وإضعاف قدرته على الصمود والثبات.

أمام هذا الواقع المتفجر، يطرح الفلسطينيون سؤالاً مشروعاً: إلى أين تتجه الأوضاع؟ وهل أصبح الشعب الفلسطيني أقرب إلى انتفاضة ثالثة؟

لا أحد يستطيع تحديد موعد الانفجارات الشعبية الكبرى، لكن التاريخ يعلمنا أن الشعوب الواقعة تحت الاحتلال لا تبقى صامتة إلى الأبد. وعندما تتراكم عوامل الظلم والقهر وانسداد الأفق السياسي وتتعاظم الاعتداءات على الإنسان والأرض والمقدسات، فإن احتمالات الانفجار الشعبي تصبح أكثر حضوراً من أي وقت مضى. وما نشهده اليوم من حالة غضب واحتقان وإحباط متزايد قد يكون مؤشراً على مرحلة جديدة من المواجهة مع الاحتلال إذا استمرت السياسات الإسرائيلية الحالية دون رادع.

وفي هذه اللحظة الوطنية الحساسة، تكتسب مخرجات المؤتمر الثامن لحركة فتح أهمية استثنائية. فالشعب الفلسطيني لا ينتظر مجرد تغييرات تنظيمية أو إدارية، بل يتطلع إلى رؤية وطنية شاملة تعيد الاعتبار للمشروع الوطني الفلسطيني، وتعزز الوحدة الداخلية، وتحصن الجبهة الوطنية في مواجهة أخطر التحديات التي تمر بها القضية الفلسطينية منذ عقود.

أما الولايات المتحدة الأمريكية، التي تقدم نفسها باعتبارها راعية للسلام، فإن سياساتها العملية ما زالت تواجه انتقادات واسعة بسبب استمرار الدعم السياسي والعسكري لإسرائيل، وعدم ممارسة ضغط حقيقي لوقف الحرب والاعتداءات والانتهاكات بحق الفلسطينيين. لقد أدى هذا الانحياز إلى تعميق فقدان الثقة الفلسطينية والعربية بالدور الأمريكي، وأضعف فرص الوصول إلى سلام عادل يقوم على إنهاء الاحتلال وتمكين الشعب الفلسطيني من حقوقه المشروعة وفق قرارات الشرعية الدولية.

ورغم حجم التضحيات والآلام، فإن الرهان الإسرائيلي على كسر إرادة الفلسطينيين أثبت فشله مرة بعد أخرى. فمن رحم المعاناة يولد الصمود، ومن بين الركام تتجدد إرادة الحياة. لقد بقي الفلسطيني على أرضه رغم الحروب والتهجير والاستيطان والحصار، وأثبت أن الانتماء إلى الوطن ليس شعاراً عابراً بل عقيدة راسخة تدفعه إلى التمسك بحقوقه مهما بلغت التضحيات.

إن المرحلة المقبلة تتطلب أعلى درجات الوحدة الوطنية والمسؤولية السياسية، لأن قوة الفلسطينيين كانت وستبقى في تماسكهم وقدرتهم على تحويل معاناتهم إلى قوة نضالية تدافع عن الحقوق الوطنية المشروعة. فالأرض التي ارتوت بدماء الشهداء لن تكون قابلة للمساومة، والشعب الذي صمد أكثر من سبعة عقود لن يتخلى عن حقه في الحرية والاستقلال.

قد تشتد العواصف وتتعاظم الضغوط، لكن الثابت الذي لم يتغير ولن يتغير هو أن الشعب الفلسطيني باقٍ على أرضه، متمسك بهويته الوطنية، مؤمناً بعدالة قضيته، ومصمماً على مواصلة نضاله المشروع حتى نيل حقوقه الوطنية الكاملة. فالأوطان لا يحميها اليأس، بل يحميها الإيمان بحقها، والإصرار على البقاء، والثبات مهما كان الثمن