في الذكرى الثانية لرحيل بثينة ضبيط: هذا الغياب الذي لا ينجح

بقلم :  رانية فؤاد  مرجية

ليست كلّ الغيابات متشابهة.

بعضها يمرّ خفيفًا، كأنه لم يكن.

وبعضها—مثل غيابكِ يا بثينة—يفشل.

يفشل في أن يكون غيابًا كاملًا.

عامان مرّا، وما زلتِ تُربكين هذا العالم:

كيف لامرأة رحلت أن تبقى بهذا الوضوح؟

كيف يمكن لخطاكِ أن تظلّ في الطرقات،

ولصوتكِ أن يظلّ في قرارات لم تُتخذ بعد،

ولاسمكِ أن يُقال كأنه فعلٌ في الحاضر لا ذكرى من الماضي؟

أمشي في الرملة، فلا أستعيدكِ… بل أراكِ.

في زاويةٍ كان يمكن أن تُهمل لولاكِ،

في بيتٍ كان يمكن أن يُكسَر حقّه لولا عنادكِ،

وفي ممرّ مستشفى، عند طفلٍ غريب،

كنتِ تسألين عنه كما لو كان ابنكِ،

ثم تمضين… من دون أن تقولي لأحد إنكِ كنتِ هناك.

أراكِ في أمٍّ خرجت من عندكِ أقلّ خوفًا،

لأنكِ قلتِ لها بهدوئكِ: “لن تكوني وحدكِ.”

وأراكِ في رجلٍ استعاد حقّه، لا لأنه قوي،

بل لأنكِ رفضتِ أن يُترك ضعيفًا.

كتبتُ عنكِ يوم رحيلكِ أنكِ “أيقونة من أيقونات الرملة”،

واليوم أعرف أنني كنتُ أختصر حكاية أكبر من جملة.

لم تكوني أيقونة لأنكِ لامعة،

بل لأنكِ ثابتة.

لأنكِ كنتِ، ببساطة، في المكان الصحيح حين يتراجع الآخرون.

وكتبتُ عنكِ لاحقًا أنكِ “أختي التي لم تلدها أمي”،

واليوم، بعد عامين، أفهم:

الأخوات لا يُودَّعن.

هنّ يتحوّلن إلى جزءٍ منّا،

إلى ذلك الصوت الخافت الذي يقول لنا: “افعلي ما هو صحيح… حتى لو كان أصعب.”

لم تكوني امرأة “نشاط عام”.

هذه عبارة صغيرة عليكِ.

كنتِ ميزانًا.

ميزانًا أخلاقيًا نادرًا في زمنٍ اختلّت فيه المقاييس.

كنتِ تعرفين أن العدالة ليست فكرة جميلة،

بل تعب يومي، ومواجهة، وخسارات صغيرة لا يراها أحد.

تعرفين أن الدفاع عن الناس ليس موقفًا يُقال،

بل ثمن يُدفع.

كم مرةٍ اخترتِ الطريق الذي لا يريد أحد أن يسلكه؟

وكم مرةٍ قلتِ “لا” حين كان الصمت أسهل، وأأمن، وأكثر ربحًا؟

كنتِ تُشبهين ما يجب أن يكون،

لا ما هو كائن.

ولهذا كنتِ ثقيلةً على هذا العالم… وخفيفةً على قلوبنا.

في زمنٍ صار فيه الكلام مهنة،

كنتِ تُعيدين له معناه الأول: الالتزام.

وفي زمنٍ صار فيه الحضور استعراضًا،

كنتِ تختفين خلف أثرِكِ—وتتركينه يتكلم بدلًا عنكِ.

حين رحلتِ، لم ينكسر شيء واحد فقط.

انكشف الكثير.

انكشف كم نحن بحاجة إلى من يشبهكِ،

وكم هذا العالم أقسى مما كنا نعتقد…

حين يخسر الذين يُخفّفون قسوته دون ضجيج.

يا بثينة،

لا أكتبكِ اليوم لأتذكّركِ.

أكتبكِ لأنني لا أستطيع أن أُصدّق غيابكِ كما يجب.

أكتبكِ لأن المدينة بدونكِ أقلّ عدلًا،

والناس بدونكِ أكثر وحدة،

وأنا بدونكِ… أقلّ يقينًا بأن الخير يكفي.

لكنني أعرف شيئًا واحدًا، يقيني الوحيد في هذا كله:

أنكِ لم تخسري.

ربحتِ المعركة الأصعب—

أن تعيشي كما تؤمنين،

وأن ترحلي… تاركةً أثرًا لا يجرؤ الغياب على محوه.

سلامٌ إليكِ،

لا كما يُقال للراحلين،

بل كما يُقال لمن بقوا فينا، وأعادوا تشكيلنا.

عامان على الرحيل،

وهذا الغياب… ما زال لا ينجح.