لا أعرف ما الذي يدور في رأس محمود عباس…
ولا أحد يعرف.
لكنني أحيانًا حين أراه صامتًا أكثر مما يتكلم، أتساءل:
هل يصمت لأن الكلام انتهى…
أم لأن ما يريد قوله لم يعد يجد كلمات تكفيه؟
أتخيله في نهاية يوم طويل.
يغادر الجميع.
تُغلق الأبواب.
وتسقط عن المكان هيبة البروتوكول.
ويبقى رجل…
ورجل فقط.
لا رئيس.
لا قائد.
لا ألقاب.
إنسان يجلس في مواجهة عمرٍ كامل.
أتخيل أن الذاكرة تبدأ بالكلام.
لا الناس.
فالذاكرة لا تستأذن.
تدخل متى تشاء.
تأتي بوجهٍ رحل منذ أربعين عامًا.
وبابتسامة صديق لم يعد موجودًا.
وبمدينةٍ تغيّرت.
وبطفلٍ كبر.
وبحلمٍ تأخر كثيرًا.
وأتساءل…
هل يتعب الإنسان من حمل الذاكرة؟
أم يتعب من حمل الأمل؟
أيّهما أثقل؟
أن تتذكر كل شيء…
أم أن تبقى مطالبًا بألا تفقد الإيمان بشيء؟
ربما ينظر إلى فلسطين بطريقة لا نستطيع نحن أن نراها.
نحن نراها على الخريطة.
وهو ربما يراها على وجوه الناس.
على أسماء القرى.
على البيوت التي غابت.
على الأصدقاء الذين رحلوا.
على الاجتماعات التي بدأت بالأمل،
وانتهت بالانتظار.
أتخيل أنه لا يحصي السنوات كما نحصيها نحن.
بل يحصيها بالأحداث.
هذه سنة فقد فيها رفيقًا.
وهذه سنة كسب فيها اعترافًا.
وهذه سنة انكسر فيها حلم.
وهذه سنة نجا فيها حلم آخر.
وأحيانًا أسأل نفسي…
هل يخاف القائد من الخطأ؟
أم يخاف من شيء آخر؟
من أن يسيء التاريخ فهمه.
لأن الناس تحاكم القرار.
أما التاريخ…
فيحاكم الزمن كله.
كم هو قاسٍ أن يقضي الإنسان عمرًا كاملًا وهو يعرف أن الذين سيحكمون عليه، ربما لم يعيشوا يومًا واحدًا مما عاشه.
وليس لأنهم أقل منه.
بل لأن لكل جيل امتحانه.
ولكل زمن منطقه.
لا أعرف إن كان محمود عباس يحدث نفسه كثيرًا.
لكنني أعرف أن الإنسان كلما تقدم به العمر، أصبح أكثر حديثًا مع ذاكرته.
وأقل حديثًا مع الآخرين.
فالذاكرة لا تقاطع.
ولا تجامل.
ولا تصفق.
ولا تعارض.
إنها فقط…
تُذكّر.
ربما لهذا يبدو الهدوء أحيانًا لغةً كاملة.
ليس لأن الرجل لا يملك ما يقول.
بل لأن بعض التجارب تصبح أكبر من اللغة.
وأثقل من أن تختصرها جملة.
وفي النهاية…
قد أكون مخطئًا في كل ما تخيلته.
وقد يكون الرجل مختلفًا تمامًا.
لكنني تعلمت شيئًا واحدًا…
أن الإنصاف لا يبدأ عندما نتفق مع الإنسان…
بل عندما نحاول أن نفهمه.
ولهذا…
لم أحاول أن أكتب عن الرئيس محمود عباس.
حاولت فقط…
أن أقترب قليلًا من الإنسان الذي يعيش داخله.
ولا زلت احاول ان افهمه
بقلم شادي عياد