جاري التحميل...

في سرمدية البقاء الأبدي… من يخلّد الإنسان: المال أم العلم؟

على شقبا ان تبني الانسان قبل ان تبني القصور

.
في قرية شقبا، تلك القرية الفلسطينية العريقة الواقعة غرب رام الله، والتي تمتد جذورها في التاريخ إلى عصور موغلة في القدم، حيث ارتبط اسمها بوادي الناطوف ومغارتها الأثرية التي منحت العالم مصطلح “الثقافة النطوفية”، يقف الإنسان أمام سؤال وجودي لا يشيخ: من يبقى بعد الرحيل، المال أم العلم؟
قد يقال إن شقبا من أغنى قرى غرب رام الله، وإن فيها عشرات المليونيرات الذين صنعتهم التجارة والاغتراب والعمل الدؤوب. وهذه حقيقة تستحق الاحترام، لأن المال ثمرة جهد وكفاح عندما يُكتسب بكرامة. لكن التاريخ يعلمنا أيضاً أن المال، مهما تضخم، يبقى وسيلة لا غاية، وأن الثروة تفقد قيمتها إذا لم تتحول إلى معرفة، أو مؤسسة، أو مدرسة، أو مكتبة، أو مشروع يخدم الإنسان.
كم من ثري عاش في التاريخ ثم غاب اسمه مع أول حفنة تراب، وكم من عالم مات فقيراً لكن أفكاره لا تزال تحكم العقول بعد مئات السنين. لم يخلّد سقراط بماله، ولا ابن سينا بثروته، ولا ابن خلدون بقصوره، بل خلدهم العلم الذي أصبح جزءاً من ذاكرة الإنسانية.
إن أخطر أشكال الفقر ليس فقر الجيب، بل فقر العقل. وقد يمتلك الإنسان الملايين، لكنه يعجز عن كتابة اسمه أو قراءة كتاب أو فهم معنى التاريخ. عندها يصبح المال مجرد رقم في حساب مصرفي، لا يصنع حضارة ولا يبني وعياً.
شقبا، بما تملكه من إمكانات بشرية ومادية، تستطيع أن تقدم نموذجاً آخر؛ نموذج القرية التي تستثمر في العقول كما تستثمر في العقارات، وتفاخر بعدد الباحثين والأطباء والمهندسين والأساتذة كما تفاخر بعدد رجال الأعمال.
إن البقاء الأبدي لا تمنحه البنوك، وإنما تمنحه المكتبات. ولا تمنحه أرصدة المال، وإنما تمنحه أرصدة الفكر. فالمال يموت مع صاحبه إذا لم يتحول إلى أثر، أما العلم فيولد من جديد كلما قرأه طالب، أو اقتبس منه باحث، أو استضاء به إنسان.
ولهذا، فإن أعظم استثمار يمكن أن يقدمه أثرياء شقبا ليس بناء القصور، بل بناء الإنسان؛ لأن القصور قد تهدمها الأيام، أما الإنسان المتعلم فهو الذي يعيد بناء الوطن كلما تهدم.
ويبقى السؤال معلقاً فوق تلال شقبا، كما لو أنه وصية للأجيال القادمة:
أيهما يبقى بعد مائة عام؟ اسم صاحب الملايين، أم اسم صاحب الفكرة؟
إن التاريخ أجاب منذ زمن بعيد: يبقى العلم، ويبقى صاحبه، أما المال فإما أن يخدم العلم فيخلد معه، أو يبقى رقماً يذوب في ذاكرة الزمن.

أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع المعاصر*