مخيم جنين
“اخطف واجري” أسم أغنية قديمة تلخص حال الدنيا في هذه الأيام الغارق في الماديات والسباق نحو السعادة الميتة، لم يعد هناك مكان للعلاقات الصادقة، كل يسعى لمصالحة بمقابل وبدون مقابل، لذلك لا تعجب عندما ترى الوجوه عابسة في الشارع أو في السيارة ، في الحارة أو في العمارة، في المتجر.. أو في المعرض أو في الصالون .. أو حتى في المسجد .. وليس هذا مقتصرا على الكبار، بل كثيرا ما تقرأ العبوس والوجوم في الوجوه البريئة، لان هذا الداء معدٍ، فما يتلقاه الابن أو البنت من الأهل في البيت، ينعكس عليهم تلقائيا…
لم نعد للحديث طعم أو نكهه، كل الحديث مع من حوليك فيه محاذير وكلام ملغوم، قد تحاسب عليه يوما ما، لم يعد للتأمل وصلة مكتملة، فالمنغصات تماما مثل الفيروس تضرب انسجامك وتأملاتك في العصب، لم يعد لحسن النية مكانها الرحب ، بل ضاقت بها الصدور بما رحبت… حتى الابتسامات الممكيجة.. فهي ألوان.. ودائما بدون عنوان… واغلبها اللون الأصفر…
تمد يدك للمساعدة …وبإخلاص… هم يعرفون إخلاصك وصدق نيتك… لكن لا مكان لك… صاحب الملايين العشرة مهما كان.. فهو حاجة اليوم…
صاحب الملايين العشرة عنده لغة وحضور وبهجة وثقل… ومكان… لن تصله لو عشت الدهرين..
صاحب الملايين العشرة الذي يتقن دحرجة الكأس على منضدة حانته الداخلية.. هو أكثر فضيلة منك بالرغم من صلاتك وصيامك وقيامك وذكرك وحسن عبادتك…
من أنت حتى تأخذ مكانا هنا بين الكبار؟؟
تريد الحديث؟؟؟ أنصحك أن تبقى صامتا!!!
ما ذا تريد أن تقول؟؟
ستتكلم عن المبادئ والقيم… سيضحكون منك… وسيوبخونك…. وأنت سريع الغضب.. قد تثور وتكسر الأواني… أو تكسر القلم وتمزق الأوراق… لن يؤثر عليهم شيئا…
شربت قهوتهم أم لم تشرب..سيان.. كتبت بقلمهم أم لم تكتب… أكلت من شطائرهم أم لم تأكل..” بتوفر”
قلي من دعاك أنت حتى تأتي؟؟…………….
أصلا.. الكل يتوجس منك ومن سهام عينك الناقدة…
يا أخي أنت غير مريح ..الم تسمع بالحديث الصحيح القائل ” قل خيرا أو تصمت”
دعك عنك الهمهمة والتذمر… هم يعلمون أكثر منك… هذه الملايين العشرة ستود المدينة وتصبح وجهها الكريم… سيعلو شانها… وتبقى أنت تعدو كل صباح لن تجني في شهرك الكريم ما يقابل دبوس بدلته السوداء …
دعك عنك هذا…
هو خلق لمثل هذا … “قصته” قصة مسؤول… لذلك سيدعوه الناس ويجلسوه في المكان الذي يستحق.. أما أنت فإنتظر..
أو إنزوي جانبا… أو إنتظر…. قد يفتقدك الناس عندما تخلو الساحة.. ويجاملوك…
لقد خالفت قناعاتك… وخرجت من ذاتك، فلا الجالسون هنا من اهلك ، ولا قائدهم هو قدوتك، ولا تجلس أمهاتهم كل صباح تعجن لهم الخبز على تروايد حملتها نساء “صبارين” أو”الغبيات “أو”المنسي” أو”اجزم”… هم أهل للمجاملة والحديث بالأسنان لا بلسان…
لقد أخطأت….. فتب… وارجع… مهموما.. مكسور الوجدان.. عد… لا تخف كلهم ذهبوا بسيارتهم الفارهه.. بإمكانك أن تسير كما تسير كل صباح…سيغشاك الليل ويخفي حزنك… فامضي…..
هل وصلت… نعم ..هذه الساحة .. هذا وجه يبعث على الابتسام… وقوفوا ثلاثة.. احدهم كعادته… يتكلم بلغتك..يمازح ذلك الفتى الذي يتكلم بعفوية عن كيفية قيامه اليوم بالتسلل خلف سيارة الكهرباء وسحب الأسلاك منها وبيعها ليقوم بشراء حقيبة مدرسية ليعود بها إلى المدرسة… ليس حبا بالعلم .. ولكن المدرسة أصبحت من طقوس الطفولة المعذبة… لقد سرق من حبائل الكهرباء… وضحك وقهقه… كانت ضحكاته تغسل النفس ، وتزوح الغم والهم….
تذكرته عندما كان ةصغيرا يستلق” المركافا “ذات الجيل الرابع وقت الاجتيياحات في حين كان صاحب الملايين العشرة في احد فنادق عمان يحتسي النبيذ… لان طبلة أذنه لا تحتمل صيرير جنازير الدبابات… طرق الكؤوس ارق على مسمعه.. ولأنه حساس فهو الأولى بها وبجمالها.. وبمائها وسمائها… لقد افلح من اختار فخيار أهل الرأي صائب…!!!!








