قصة قصيرة: طريق الاشواك

بقلم/ عصري فياض

خمسة عشر شهراً مرَ على النزوح القسريّ “لام حسن” المكلومة التي تقطن في سكنات الجامعة العربية الامريكية قرب بلدة الزبابدة في محافظة جنين،بعد أن أُخْرِجَتْ من مخيّم جنين عنوة تحت التهديد والوعيد…أيام وأوضاع مُرّة تعيشها وسط مئات العائلات التي تقاسمها نفس الظروف القاسية،والمعاناة الشديدة،وما يسند صبرهم أمل كبير لا يفارقهم في العودة لبيوتهم في المخيّم التي دمر الاحتلال ربعها،وتضرَّر الباقي بشكل واسع وغير مسبوق…

“أم حسن” الاربعينة حفظت عن ظهر غيّب طقوس النزوح اليومية المتشابكة،فمعظم وقتها تمضيه في عمل البيت،ومتابعة مجموعات التواصل الاجتماعي،والجلوس مع بعض النسوة لاجترار الماضي والتعرف على كل جديد،وربما تتبع توزيع صناديق المساعدات،وصرفيات كوبونات الأدوات الصحية والملابس والهبات المالية المتواضعة من الجمعيات والمؤسسات،والتنقل من السكنات الى المدينة لقضاء الحاجات كأمر مستجد لم يكن في حياتها من قبل،هي تعايش الحالة الجديد،من غير أن يغيب عنها وجهها وجع فقدان ابنها الشهيد الشاب “حسن” الذي ارتقى في المخيم قبل سنتين،ولا يغيب عنها أيضا وجه ابنها “حسين”المعتقل في سجون الاحتلال منذ اكثر من سنة ونصف،وهي تمسك بشدة بيد ابنها الثالث الفتى الصغير”محمد”،الذي بقي لها،تخاف عليه من تأخذه منها الأيام القاسية المتوحشة،في حين يجلس زوجها “أبو حسن” الخمسيني الذي كان يعمل في داخل “الخط الأخضر” في البيت مضافا لجيش العاطلين عن العمل،تغزوه بوادر ازمة إكتئاب من هذا الحال الذي لا يطاق…

*

كانت الساعة قد جاوزت الثامنة صباحا بقليل،رنَّ الهاتف الجوَّال الذي يجاورها وهي لا تزال تغط في النوم،استفاقت بلهفة،وبحركات تشابه الجنون…فقد جاءها عبر هذه المكالمات سابقا اخبار سيئة تسارع نبضات القلب،وتجلب التوتر…قرأت الاسم الظاهر على الشاشة،زوجة اخيها “ام نعيم” تخبرها بنبأ نشر قائمة المسموح لَهُنَّ عبر التنسيق من دخول المخيَّم… أقفلت الجوَّال وشرعت بالحث عن القائمة لعلها تجد لها إسما… ارتدت النظارة وبدأت توسع مساحة القائمة لعلها تجد لنفسها إسما… قرات القائمة مرتين…مئة وعشرون من دونها…أدركت أن الامل في دخول البيت في المخيَّم مفقود … القت الجوَّال من يدها،ورمت بنفسها محبطة في الفراش من جديد …

ساعة واحدة،عاد الجوَّال ليرن مرة ثانية، “ام نعيم” أيضا،والحديث عن الدخول للمخيّم

“ام نعيم ” :- يقولون أن أعداداً لا بأس بها تريد الدخول للمخيّم سواء من نُسِقَ لهم أم لم يُنَسَقْ..

هذه الكلمات شجعتها…نهضت وبدأت ترتدي ملابسها بسرعة بقصد الذهاب،لعلّها تدخل وتأتي بشيء من البيت المكسور في المخيّم المهجور…

*

وصلت الى حيث الزحام على الطريق المؤدي للمخيّم في حي الزهراء،وإنبرت لمجموعة من النسوة إتخذن لَهُنَّ مكانا في انتظار الدخول،بعضهن حصل على إذن،وأُّخريات جئن على أمل أن يسمح لَهُنَّ…

دققت “ام حسن” فيما يجري من تفتيش وصياح من قبل المجندات تجاه جمع النسوه،أيقنت بأن الدخول من هذا الجانب صعب بدون تنسيق،لابد من المحاولة من الجهة الأخرى…بعض النسوه يقلن الطريق من “طلعة الغبس” ربما يكون أسهل … هيا نذهب من هناك …

لا مجال للتردد،لا بد من استغلال الوقت،خاصة ان بعضهنَّ نجح في اقتحام المخيَّم من تلك الجهة …تحركت “ام حسن” بصبحة رهط منهن،والتفت لتصل”طلعة الغبس”،ومن هناك دخلت المخيَّم من جهة “حارة الدمج” نحو بيتها الذي يقع في “جورة الذهب”…

*

السير الهاديْ في حواري المخيّم المدمر مفقود،فمهما حاولت التريث في السير حتى لا تخرج صوتا لنعليك،لن تفلح،لان شظايا الزجاج والحطام في كلِّ مكان،ومن حولك العشب الربيعي الذي يغطي بعض الجدران والأطراف،ولا بد من أن تصعد وتتسلق اكوم الهدم التي تغلق بعض الطرقات لعدة مرات حتى تعبر… لا بد ان تتسلق بحذر فربما يكون هناك قناص يراك قد وضع إشارة ا” إكس” في جبينك متهيأ للإطلاق… لكنك تسير وتغامر وتخاطر… تطوي “حارة الدمج”وتنزل نحو “حارة الصباغ”… ثم تنكفأ الى “حارة السمران” المحاذية لجورة الذهب… لم تعد الازقة هي الازقة .. ولا الشوارع هي الشوارع،ولا البيوت هي البيوت … تتوقف لحظة مكانك،ليس لالتقاط الانفاس،بل لتستعيد الذاكرة بعد ان افقدك تغير الملامح الأماكن… وتمضى …

تقف “ام حسن” امام بيتها المتزلزل…تصعد درجات بيتها الأربع قبل ان تدفع الباب المُتَفَجِرْ… يخرج صرير الباب الصدأ صوتا حزينا… تدخل…وتفيض العيون دمعا….فالهواء يطرق بما تبقى من نوافذ الالمنيوم تدلت بقايا بعضها…. وكأنه يقول “لام حسن”… اين أنتم ؟ لماذا تركتمونا وحدنا….؟

تمسك بجدار الغرفة الأولى…فضلات الجردان بادية في كل مكان… طبقات الغبار تغطي كل شيء… هذه خزانة الأولاد … تفتح باب احدى “الدفات” تصرخ بصوت عال … لقد قفز لها جرذان كان مختبأ في الخزانة على ملابس متبقية لأبنائها… تضع يدها على فمها … تتماسك وتعود لأخذ بعض الملابس،هذه هي ملابس الشهيد “حسن”وبعض مقتنياته… وأخرى للأسير “حسين” وبعض اغراضه… وثالثة للصغير محمد الذي لم يبلغ الحلم بعد …”

تلج المطبخ…. الرائحة قاتلة تزكم الانوف من تخمر بقايا الطعام بمرور الوقت وانقطاع التيارالكهربائي …النفس تعاف أن تحمل الاواني…لكن “جالون” زيت الزيتون المحكم الاغلاق لا زال كما هو … سأحمله …قالت في نفسها…

خرجت وهي لا تتوقف عن لَيّْ رقبتها للخلف كمتيّمة تودع حبيبها…حملت بعض ملابس ومقتنيات الأولاد تحت ابطها وبيدها اليمنى،و”جالون” الزيت على رأسها تسنده باليسرى وعادات ادراجها من حيث أتت…

*

بقيت متماسكة تجاهد التعب حتى وصلت منتصف “حارة الدمج.”.. عند تلك النقطة فاجئها جنود الاحتلال برفع بنادقها في وجهها … صرخوا بها… ماذا تفعلين؟ومن أتى بك الى هنا…؟ إلتزمت الصمت .. اقتربوا منها أكثر … مجندتين دفعنها بفظاطة وطلبن هويتها وانزلن الجالون من على رأسها،وإنتزعن منها الملابس والقين بها على الأرض… وسط سخرية بالعبرية لم تفهما لكنها احست بها طعنات تجرح داخلها…

اخرجي بطاقة الهوية … فعلت،وعندما تم التدقيق عبر الاتصال اللاسلكي،عرفوا ان التنسيق لم يشملها…. غضبوا اكثر،وقام احد الجنود بفتح “جالون”الزيت وسكبه على الأرض وهي تحاول منعه… المجندات دسن الملابس بأقدامهن… وشرعن في تقيد “ام حسن” للخلف، وتعصيب عينيهاوأخذنها لبيت قريب يحتجز فيه بعض نسوه المخيّم أمثالها…

ساعات طويلة من التنكيل والعقاب،التفتيش المهين والمذل،القاء قنابل الغاز في غرفتهن كلما سمعوا صوتا لهن،واحيانا يضربوهن ويركلوهن ويعنفوهن… ويهددونهن بالتقديم للمحاكمة العسكرية بدعوى دخول منطقة عسكرية مغلقة،حرموهُنَّ من الذهاب للحمام،ومن تناول الطعام، واحيانا من رشفة الماء…ناهيك عن موشح الشتائم والسباب الذي لم يتوقف…

مرت ساعات طويلة مؤلمة وموجعة…وجاء الليل وهنَّ على نفس الحال…وقبل أن ينتصف الليل… جاء الامر بالافراج عنهن…

*

عادت ” ام حسن ” مثقلة متعبة خائرة القوى لبيتها في سكن الجامعة الامريكية،عادت للغرفة الصغيرة بصمت بعد أن أخفقت في تحريرأيٍّ من مقتنيات الأسير والشهيد،وجدت فرشتها لا تزال على الأرض كما تركتها…دست جسدها المتعب.ووجها البائس تحت الغطاء…. وقاومت دموعها الحارّة هروبا من هذا اليوم الأليم،لعل شمس الغد تشـــــــــــرق على أمل جديـــــــد.