جاري التحميل...

قوس الحرب مفتوح على آخره

بعد جولة من القصف المتبادل والواسع بين القوات الأمريكية والإسرائيلية وبين إيران، استمرت 39 يومًا، حصدت الكثير من الأرواح، وتكبدت خلالها الأطراف المتحاربة، ودول الخليج العربي، خسائر فادحة، وبعد كل ذلك تم التوصل إلى مذكرة تفاهم وافق عليها الطرفان، لكنه اتضح فيما بعد أن ذلك لم يكن سوى حمل كاذب.

التفسيرات المتعارضة لبنود الاتفاق، ومحاولات إسرائيل للإطاحة به، سرعان ما أعادت الأمور إلى نقطة البداية، ليس فيما يتعلق بالأهداف التي جرى تعديلها غير مرة، ولكن ما يتعلق بأساليب وأشكال تحقيقها.

لم تنجح مذكرة التفاهم في منح الرئيس ترامب الفرصة لإعلان انتصار، فلقد بدا أن تلك المذكرة تمنح إيران أفضلية في تحقيق بعض أهدافها.

وسائل الإعلام، حتى الأمريكية منها، والكثير من النشطاء والمراقبين، وحتى السياسيين، أقروا، بشكل أو بآخر، بفشل الإدارة الأمريكية في تحقيق الأهداف، سواء من خلال الحرب والحصار أو من خلال المفاوضات. وربما كان لذلك أثر على قرار الرئيس ترامب، الذي أعلن الانسحاب من دعمه لمذكرة التفاهم، ومن ثم الإعلان عن انتهاء مرحلة وقف إطلاق النار. وليس هذا وحسب، بل إن اللوبي الصهيوني، والمتطرفين الموالين لإسرائيل في البيت الأبيض والحزب الجمهوري، كان لهم تأثير مباشر على قرارات الرئيس الأمريكي.

العودة الأمريكية عن مذكرة التفاهم ووقف إطلاق النار، تتبعها عودة لممارسة القصف، والحصار الخانق على كل حركة للناقلات من وإلى الموانئ الإيرانية، وتراجع الاهتمام بالمسار التفاوضي.

هذا الوضع ترك الوسطاء في حيرة من أمرهم، فهل يعاودون العمل لإحياء مذكرة التفاهم، ربما مع تغيرات أكثر وضوحًا، أم عليهم اشتقاق معادلات جديدة لكبح جماح التوسع في الحرب؟

الضربات المتبادلة تتوسع بين الطرفين، حيث استهدف القصف الأمريكي بنىً تحتية واسعة للمرة الأولى منذ بداية الحرب، ويضاف إليها التوتر المتصاعد بين السعودية وأنصار الله، واحتمال إغلاق مضيق باب المندب.

إزاء كل هذا التصعيد، يسعى الرئيس ترامب إلى الإمساك بالمقود، وضبط السلوك الإسرائيلي، سواء فيما يتعلق بالمشاركة في القصف على إيران، أو فيما يتعلق بجنوب لبنان وجنوب سوريا، بينما يترك لنتنياهو أن يمارس ولعه بالحرب على غزة والضفة الغربية.

الرئيس ترامب لم يترك مجالًا للتكهن بشأن أحد أهم أهداف الحرب، حيث أعلن أن بلاده ستتقاضى 20 في المئة كرسوم من قيمة حمولات السفن التي تعبر المضيق. وكان ذلك إعلانًا أخرق؛ لأنه بذلك يكون قد منح إيران الشرعية في الحديث عن استيفاء بدل خدمات ستكون أقل تكلفة مما يريد ترامب أن يحصل عليه.

لم يطل الأمر حتى عاد الرئيس ترامب عن قراره، الذي سيبدو على أنه قرصنة مكشوفة، مقابل ما يقول إنه لتغطية تكاليف الحماية الأمريكية للمضيق.

تراجع الرئيس ترامب عن قرار استيفاء الرسوم اقترن بقرار آخر، يقضي بأن دول الخليج، والسعودية، ستقوم بتخصيص تريليونات الدولارات للاستثمار في الولايات المتحدة.

من وجهة نظره، ستجلب تلك الأموال الرفاه للاقتصاد والمواطن الأمريكي، وذلك مقابل حماية حركة المرور في المضيق، وأيضًا مقابل حماية أمن واستقرار دول الخليج. ويتضح من ذلك أن ترامب يريد الأموال للخزينة الأمريكية، وليس فقط تعويض خسائره في الحرب، على حساب دول المنطقة التي افتقدت الحماية طيلة أشهر الحرب، رغم وجود القواعد العسكرية على أراضيها وفي جوارها الجغرافي. ولم يعد محل شك أن القواعد الأمريكية في دول المنطقة قد جلبت لها مخاطر وخسائر فادحة في حرب لم يكن لها علاقة بقرار خوضها، ولا هي صاحبة مصلحة في الانخراط فيها.

ثمة حالة استعصاء في المشهد القائم، فلا أمريكا بصدد العودة إلى مذكرة التفاهم، وهي تواصل القصف بوتيرة متصاعدة، ولا إيران تبدي أي إشارة إلى الرضوخ والتنازل عما تقول إنه يتعلق بسيادتها وحقوقها. والمحاولات الأمريكية لتأمين مرور السفن عبر الشواطئ المحاذية لسلطنة عُمان لم تنجح في تأمين حركة السفن، إذ تواصل إيران تحذير واستهداف أي سفينة، ومنطقها يقول إنه ما لم يكن المضيق آمنًا لحركة سفنها، فلن يكون آمنًا لأحد، وأن من يطلب المرور الآمن عليه أن ينسق مع السلطات الإيرانية.

 

المضيق إذن مغلق إلا أمام بعض السفن، والحماية الأمريكية كاذبة وغير قادرة على تأمين حركة السفن، وهكذا فإن الحرب تحولت إلى حرب استنزاف قد يطول أمدها، فيما تظهر التداعيات السلبية على دول المنطقة وعلى الاقتصاد العالمي. والأكيد أن الحرب لم تبح بكل أسرارها وأبعادها بعد، فالقوس مفتوح على آخره.