لم تعد قمة الناتو في أنقرة (يوليو/تموز 2026) مجرد اجتماعٍ لأعضاء تحالفٍ عسكري يجمعهم «مصير مشترك» أو «قيم ديمقراطية». القاعة اليوم أشبه بطاولة مفاوضات لشركة قابضة كبرى قررت تصفية أصولها، أو بالأحرى، إعادة توزيع «كعكة العصر». وفي رأس الطاولة، يجلس «المدير التنفيذي» الجديد للعالم، دونالد ترامب، الذي لا يرى في الخرائط جغرافيا سياسية، بل «أصولاً» تُباع أو تُقايض.
1) أوكرانيا مقابل غرينلاند: بيع الوهم وشراء الواقع
في أنقرة، كان حضور زيلينسكي في القمة محرجاً بقدر ما كان كاشفاً. فبينما كانت أوروبا تنظر إلى أوكرانيا باعتبارها قضية «وجودية» و«دفاعاً عن الحرية»، كان ترامب يتعامل معها بوصفها عبئاً تشغيلياً على الميزانية الأمريكية، لا أكثر.
الصفقة غير المعلنة هنا ليست تبادلاً مباشراً، بل هي «تبادل أولويات»: ترامب مستعد لتجميد النزاع الأوكراني، بصيغة سلامٍ مشروط، مقابل أن يرفع العالم يديه عن أطماع واشنطن في القطب الشمالي. وغرينلاند ليست مجرد ثلج؛ إنها مفتاح طرق التجارة الجديدة ومخزن المعادن النادرة، أي إنها في لغة هذه المرحلة ليست جزيرة بقدر ما هي أصل استراتيجي.
في هذا المنطق، تصبح أوكرانيا خياراً مؤلماً ومكلفاً، بينما تتحول غرينلاند إلى استثمارٍ استراتيجي يواجه الصين وروسيا معاً. الناتو في أنقرة لم يقرر مصير أوكرانيا، بل قرر سعرها في سوق الصفقات الكبرى.
2) الحصة الإسرائيلية: رسم الخرائط بالدم
في هذه الكعكة، أخذت إسرائيل حصتها بالفعل. فالتوسع في لبنان وسوريا، وما يرتبط به من مناطق عازلة ووقائع مفروضة على الأرض، لم يعد مجرد «عمليات عسكرية»، بل صار شكلاً من أشكال فرض الأمر الواقع الجغرافي.
الغرب، وعلى رأسهم مارك روتة الحاضر ، و ماكرون الغائب يقف في أنقرة عاجزاً، يخطب عن «السيادة اللبنانية» بينما الأرض تُقتطع. والحقيقة التي يتجنب الجميع قولها هي أن واشنطن، في مقاربة ترامب، لا ترى في هذا التمدد خروجاً عن القاعدة، بل جزءاً من إعادة ترتيب الشرق الأوسط وفق ميزان مصالح جديد.
إسرائيل هنا لم تعد مجرد حليف، بل تحولت إلى مقاول أمني إقليمي، يتولى إدارة المناطق العازلة حين تعجز الجيوش النظامية أو تتردد. وهكذا تصبح تلك المساحات المبتورة «حصة» إسرائيل في كعكة الفراغ الإقليمي.
3) بروكسل بلا غطاء
الاعتراف الأوروبي المتكرر بأن القارة تحتاج سنوات طويلة لتأمين نفسها، وأنها لا تستطيع ببساطة تعويض ما تفعله واشنطن، هو اللحظة التي سقطت فيها ورقة التوت عن مشروع «الاستقلال الاستراتيجي» الأوروبي. لقد تبين أن الكلام عن هذا الاستقلال كان أكبر من القدرة، وأضخم من الواقع، وأكثر هشاشة من أن يتحمل اختبار قمة واحدة.
سحب القوات الأمريكية، أو التلويح بإعادة توزيعها، ليس مجرد تعديل تقني في الانتشار العسكري؛ إنه رسالة سياسية قاسية: الحماية لم تعد مجانية، والمظلة الأمريكية لم تعد تُمنح بالعادة القديمة نفسها. أوروبا اليوم تشبه زبوناً أُبلغ بأن اشتراكه في خدمة الحماية قد انتهى، وعليه أن يدفع الثمن السياسي كاملاً، أو يقف في العراء.
الخلاصة: ميزان القوى يُعاد تشكيله
ما يجري في أنقرة ليس مجرد توزيعٍ مؤقت للأدوار، بل إعادة هندسة صريحة لميزان القوى العالمي. فإذا كانت أوكرانيا تُستَخدم كورقة ضغط، وغرينلاند بوابةً للممرات والموارد، وإسرائيل ذراعاً لتثبيت الوقائع الإقليمية، فإن النتيجة النهائية هي عالمٌ تُدار فيه السيادة بوصفها سلعة قابلة للتجزئة، لا حقاً ثابتاً للدول.
المعنى الأعمق لهذه الصفقات أن زمن التحالفات القائمة على العقيدة انتهى، وحلّ مكانه زمن التحالفات القائمة على المقايضة. من يملك القدرة على فرض الثمن، يملك القدرة على إعادة رسم الخريطة؛ ومن لا يملك إلا الاعتراض، يجد نفسه خارج الطاولة مهما كان صوته عالياً. هنا بالضبط يتضح أن ميزان القوى القادم لن يُحسم بالشعارات، بل بقدرة كل طرف على الصمود أمام سوقٍ دولية أصبحت أكثر براغماتية، وأكثر قسوة، وأقل اكتراثاً بالقانون الدولي مما كانت عليه من قبل.
والخطر الحقيقي أن أوروبا، إذا استمرت في لعب دور المستهلك الأمني بدل الفاعل الاستراتيجي، ستتحول من شريكٍ في صنع النظام إلى مجرد تابعٍ داخل نظامٍ جديد لا تضع قواعده ولا تحدد اتجاهه. عندها لن تكون المسألة مجرد خسارة بعض النفوذ، بل خسارة موقعٍ كامل في ترتيب العالم المقبل.
عن راي اليوم