بقلم: د. صالح الشقباوي
ليست الفلسفة ترفاً فكرياً، ولا تأملاً ذهنياً معزولاً عن حركة التاريخ، بل هي الوعي الذي يصنع الأمم، والعقل الذي يحرر الإنسان من أسر الجهل والخرافة والتقليد. إنها الجسر الشاهق والمتين الذي تعبر عليه المجتمعات من التخلف إلى النهضة، ومن الانغلاق إلى الإبداع، ومن الاستهلاك المعرفي إلى إنتاج المعرفة.
إن الفلسفة هي حب الحكمة، لكنها في معناها الأعمق هي البحث الدائم عن الحقيقة، والسؤال الذي لا يتوقف، والقدرة على مساءلة الواقع وكشف تناقضاته، وبناء رؤية عقلانية للعالم والإنسان والتاريخ. وهي الأداة التي تحرر العقل ليبلغ معرفة أعمق بكيفية تجلي النظام الكوني في الوجود، وكيف تتكشف قوانين الخلق والطبيعة أمام العقل الإنساني الباحث.
الفلسفة هي الملكوت العقلي المتجلي فوق كنه أسرار الكون وماهياته، وهي الرحلة التي يخوضها العقل لاكتشاف المعنى الكامن وراء الأشياء، حيث لا تكتفي بوصف الظواهر، بل تنفذ إلى أعماقها لتكشف عللها وأسبابها وقوانينها.
ومن هنا لا تتأمل الفلسفة العلم من خارجه، بل تدخل إلى أعماقه، وتصادقه، وترافقه في رحلته الطويلة نحو اكتشاف الحقيقة. فهي لا تنافس العلم، وإنما تمنحه أفقه الفكري، وتطرح عليه الأسئلة الكبرى التي لا تستطيع المختبرات وحدها الإجابة عنها.
تخبرنا الفلسفة عن الوجود، وعن الزمن، وعن ما وراء العقل، وعن الطبيعة، وعن الإنسان بوصفه كائناً عاقلاً وتاريخياً وأخلاقياً. ومن هذه الأسئلة الكبرى يفتح التفكير الفلسفي نقاشاً واسعاً حول طبيعة المعرفة، وحدود العلم، وإمكانات التجربة الإنسانية، والعلاقة المعقدة بين المادة والزمان والمكان.
ولذلك كانت الفلسفة عبر التاريخ القوة المحركة لكل نهضة حضارية كبرى. فما شهدته أوروبا الحديثة من ثورات علمية وسياسية وثقافية لم يكن منفصلاً عن الثورات الفلسفية التي سبقتها، والتي زعزعت اليقينيات المغلقة، وأعادت النظر في مفاهيم الحقيقة والمعرفة والحرية والسلطة. فلم يعد العالم يبدو آلة ميكانيكية تخضع لحتميات بسيطة، بل أصبح كوناً مفتوحاً على التعقيد والاحتمال والتغير المستمر.
ومع ذلك، فإن الفلسفة لا تستطيع بمفردها أن تجيب عن جميع الأسئلة الأنطولوجية، لأنها ترتبط بالعلم ارتباطاً عضوياً يحكمه العقل الباحث عن الحقيقة. فالعلم حين يبلغ حدوده القصوى، ويعجز عن تفسير المعنى، تظهر الحاجة الملحة إلى الفلسفة، لأنها وحدها القادرة على مساءلة الواقع، وتأمل طبيعة العقل، وتحديد مكان الإنسان والأمة في الكون، وفي التاريخ، وفي المجال السياسي بين الأمم المتحضرة.
إن الفلسفة لا تمنحنا أجوبة نهائية بقدر ما تمنحنا القدرة على إنتاج الأسئلة الصحيحة، لأن السؤال الفلسفي هو بداية كل معرفة، وكل اكتشاف، وكل ثورة علمية أو حضارية.
ولعل أعظم ما تعلمنا إياه الفلسفة هو أن الحقيقة ليست جامدة، وأن المعرفة ليست مكتملة، وأن التاريخ لا يتوقف عند يقين واحد. فهناك أسئلة فلسفية كبرى ما تزال تشغل الفلاسفة، وتواكب الثورات العلمية المتلاحقة. إننا نعيش اليوم ثورة فلسفية في مفاهيم الحقيقة والمعرفة والواقع؛ فالحقيقة أصبحت حقائق متعددة، والعلم أصبح علوماً متجددة، ولم يعد الديالتيك مغلقاً، بل أصبح جدلاً مفتوحاً على المستقبل.
إنه عالم لا توجد فيه حقائق بذاتها أو لذاتها بصورة نهائية، وإنما حقائق تاريخية متحركة، تتغير بتغير شروط المعرفة، والزمان، والإنسان، وبانتظار الآخر القادم الذي سيعيد طرح الأسئلة من جديد، ويمنح الحقيقة أفقاً آخر أكثر اتساعاً وعمقاً.
إن الفلسفة، في جوهرها، ليست علماً منفصلاً عن الحياة، بل هي حياة العقل وهو يفكر، وحياة الإنسان وهو يبحث عن معنى وجوده، وهي الشرط الأول لنهضة الأمم التي تؤمن بأن المستقبل لا يصنعه إلا العقل الحر، والمعرفة الحرة، والإنسان القادر على التفكير.
بقلم: د. صالح الشقباوي
أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع – جامعة الجزائر 2