بقلم: م. محمد علي العايدي
لم يكن السؤال اليوم: ماذا سيقول محمود عباس؟ بل كان السؤال الأهم: هل ستنجح محاولات تغييب فلسطين؟
وجاءت الإجابة من رام الله قبل أن تصل إلى نيويورك: لا.
حين تعذر وصول الرئيس محمود عباس إلى مقر الأمم المتحدة، لم تغب فلسطين عن المشهد. ومن رام الله، وصل صوتها إلى العالم، لتتحول محاولة تغييب الحضور الفلسطيني إلى مناسبة جديدة لتأكيد حضور القضية.
لم يتحدث الرئيس عن فلسطين باعتبارها أزمة إنسانية مؤقتة، بل عن شعب وأرض ودولة وحقوق وطنية. وكان واضحاً أن الرسالة الأساسية هي أن إدارة الأزمة لم تعد كافية، وأن المطلوب معالجة جذورها: إنهاء الاحتلال، ووقف الاستيطان والضم، ومنع التهجير، وتجسيد الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس.
والأهم أن الرئيس لم يضع المسؤولية على المجتمع الدولي وحده، بل تحدث أيضاً عن الإصلاح والانتخابات وتجديد المؤسسات والشرعيات. فالدولة الفلسطينية التي نطالب العالم بالاعتراف بها، تحتاج أيضاً إلى مؤسسات وطنية قوية قادرة على حمل مشروعها.
وهنا تظهر فتح
لا يمكن قراءة هذا المسار بعيداً عن حركة فتح.
ففتح، التي حملت المشروع الوطني الفلسطيني لعقود، تجد نفسها اليوم أمام مرحلة مختلفة؛ مرحلة لا تتطلب فقط حماية القرار الوطني، وإنما أيضاً تجديد الحياة السياسية والمؤسسات، واستيعاب الأجيال الجديدة، والجمع بين خبرة التجربة ومتطلبات المستقبل.
ولذلك فإن حديث الرئيس عن الإصلاح والانتخابات ليس تفصيلاً داخلياً؛ بل هو جزء من معركة بناء الدولة وحماية المشروع الوطني.
فتح لا تملك ترف الوقوف عند تاريخها، مهما كان عظيماً؛ عليها أن تجعل من تاريخها قوة للمستقبل.
وهذا هو التحدي الحقيقي أمام الحركة في المرحلة المقبلة.
من رام الله إلى العالم
كان يمكن أن يصبح غياب الرئيس عن قاعة الأمم المتحدة هو عنوان المشهد.
لكنه جعل من حضور فلسطين العنوان.
وهنا تكمن دلالة الخطاب.
فلسطين ليست ملفاً يمكن تأجيله، ولا شعباً يمكن اقتلاعه، ولا قضية يمكن اختزالها في المساعدات أو الإعمار.
الفلسطيني يريد أن يعيش، نعم، لكنه يريد أن يعيش حراً في وطنه.
ولهذا فإن رسالة الرئيس اليوم يمكن اختصارها في معنى واحد:
لا يمكن صناعة مستقبل المنطقة من دون فلسطين، ولا يمكن بناء سلام حقيقي من دون إنهاء الاحتلال وتحقيق الحقوق الوطنية الفلسطينية.
لقد تحدث محمود عباس من رام الله، لكن كلمته وصلت إلى الأمم المتحدة.
فقد يغيب الرئيس عن القاعة، لكن فلسطين لا تغيب