مروان البرغوثي وحسين الشيخ: بين شرعية التاريخ وشرعية السلطة

بقلم: د. صالح الشقباوي

(من العبث مقارنة مروان البرغوثي بحسين الشيخ، لأن لكل منهما ظروفه ومساره وتجربته الخاصة، ولكن الوقائع السياسية تفرض نفسها وتدفعنا إلى إجراء هذه المقارنة لفهم التحولات العميقة التي تشهدها حركة فتح والساحة الفلسطينية.)
يمثل كل من مروان البرغوثي وحسين الشيخ نموذجين مختلفين داخل حركة فتح. فالأول تشكل وعيه السياسي في ساحات المواجهة والانتفاضة والعمل التنظيمي الميداني، بينما تشكل الثاني في فضاءات السلطة والإدارة ومؤسسات الحكم التي نشأت بعد اتفاق أوسلو.
لقد أصبح اسم مروان البرغوثي مرتبطاً في الوعي الفلسطيني بحالة نضالية خاصة. فالرجل الذي يقضي سنوات طويلة في السجون الإسرائيلية تحول إلى رمز سياسي يتجاوز حدود التنظيم، واكتسب شرعيته من حضوره في الذاكرة الوطنية ومن ارتباطه بمرحلة الانتفاضة والمقاومة الشعبية. ولذلك فإن حضوره في الوعي الجمعي الفلسطيني ما زال يتجاوز حدود الموقع التنظيمي الذي يشغله.
أما حسين الشيخ فقد برز اسمه في مرحلة مختلفة من التاريخ الفلسطيني، مرحلة السلطة الوطنية الفلسطينية وما فرضته من متطلبات سياسية وإدارية وأمنية. وقد استطاع أن يصبح أحد أبرز مراكز القرار في النظام السياسي الفلسطيني، وأن يحتل مواقع حساسة جعلته قريباً من دائرة صناعة القرار في السلطة ومنظمة التحرير وحركة فتح.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى. فمروان البرغوثي يمتلك ما يمكن تسميته بشرعية التاريخ النضالي، بينما يمتلك حسين الشيخ ما يمكن تسميته بشرعية الموقع السياسي والمؤسسي. وبين هاتين الشرعيتين يدور جزء مهم من الجدل الفلسطيني المعاصر.
إن السؤال الذي يطرح نفسه ليس من هو الأقوى تنظيماً أو الأقرب إلى مراكز القرار، بل أي نموذج يمثل مستقبل حركة فتح؟ هل هو نموذج القائد الذي يستمد شرعيته من تاريخه النضالي ورمزيته الوطنية؟ أم نموذج المسؤول الذي يستمد شرعيته من مؤسسات السلطة وقدرته على إدارة النظام السياسي؟
لقد عرفت حركة فتح عبر تاريخها الطويل قيادات جمعت بين الشرعيتين معاً؛ شرعية النضال وشرعية القيادة السياسية. لكن التحولات التي شهدتها الحركة خلال العقود الأخيرة أوجدت حالة من التباعد بين المجالين، بحيث أصبح ممكناً أن يمتلك شخص حضوراً شعبياً واسعاً دون أن يمتلك سلطة فعلية، وأن يمتلك آخر سلطة واسعة دون أن يحظى بالرمزية الجماهيرية ذاتها.
وفي هذا السياق يمكن فهم الجدل الدائم حول مروان البرغوثي وحسين الشيخ. فالخلاف بين النموذجين لا يتعلق بالأشخاص بقدر ما يتعلق بطبيعة المرحلة الفلسطينية نفسها. فالشعب الفلسطيني يعيش منذ سنوات طويلة بين منطق التحرر الوطني ومنطق بناء السلطة، بين ذاكرة الثورة وواقع الدولة المؤجلة.
إن مروان البرغوثي يمثل في المخيال الوطني الفلسطيني استمراراً لمرحلة النضال التاريخي التي صنعتها حركة فتح، بينما يمثل حسين الشيخ مرحلة إدارة السلطة ومؤسساتها وتعقيداتها السياسية والإقليمية والدولية.
ومهما اختلفت التقييمات السياسية، فإن الحقيقة الثابتة هي أن حركة فتح تواجه اليوم تحدياً كبيراً يتمثل في قدرتها على التوفيق بين الشرعية التاريخية والشرعية السياسية، وبين رمزية الثورة ومتطلبات الحكم، وبين ذاكرة الكفاح الوطني وضرورات العمل الدبلوماسي والمؤسساتي.
ختاماً، فإن مستقبل حركة فتح لن يتحدد فقط بمن يتولى المواقع القيادية، بل بقدرتها على إعادة بناء العلاقة بين الثورة والسلطة، وبين التاريخ والمستقبل. فالحركات الوطنية الكبرى لا تعيش على أمجاد الماضي وحدها، ولا تستمر بالسلطة وحدها، وإنما تستمر عندما تنجح في الجمع بين الشرعية النضالية والقدرة السياسية في آن واحد.’