جاري التحميل...

في يوم الشباب العالمي… فلسطين لا تحتاج شبابها على مقاعد الانتظار

بقلم: محمد أبو التاج

 

في الثاني عشر من آب من كل عام، يحتفل العالم بيوم الشباب العالمي.

تكتب المؤسسات عن الشباب والشابات، وترفع الشعارات، وتقال كلمات كثيرة عن الأمل والمستقبل والتمكين.

لكن وسط كل هذه الكلمات، هناك سؤال أراه أكثر أهمية:

أين الشباب والشابات فعليا من صناعة مستقبل فلسطين؟

ليس في الصور والمؤتمرات والاحتفالات، بل في القرار، وفي الاقتصاد، وفي المؤسسات، وفي سوق العمل، وفي السياسة، وفي صناعة الأفكار والحلول.

 

لدينا جيل درس وتعلم، وجيل يحمل هاتفا يستطيع من خلاله أن يرى العالم كله، ويتابع أحدث ما وصلت إليه التكنولوجيا، ويتعلم لغة أو مهنة أو مهارة، ويرى كيف تعيش الشعوب الأخرى وكيف تصنع فرصها.

 

لكن كثيرا من شبابنا وشاباتنا، بعد كل ذلك، يقفون أمام سؤال قاس:

 

وماذا بعد؟

 

جامعة… ثم ماذا؟

 

شهادة… ثم ماذا؟

 

سنوات من الدراسة… ثم انتظار وظيفة قد تأتي وقد لا تأتي.

 

فكرة جميلة… لكن أين تجد من يسمعها؟

 

كفاءة حقيقية… لكنها قد تقف أمام باب تفتحه الواسطة لغيرها.

 

وطموح كبير… يصطدم كل يوم بواقع أصغر منه.

 

وفوق كل ذلك، هناك احتلال وحواجز واقتحامات واعتقالات واستيطان وواقع اقتصادي يزداد صعوبة.

 

هذا هو الواقع الذي يجب أن نتحدث عنه في يوم الشباب، لا أن نخفيه خلف عبارات الاحتفال.

 

ولكن هناك بين شبابنا وشاباتنا من يواجهون طريقا أصعب.

 

شاب كفيف يستطيع أن يصل عبر التكنولوجيا إلى مكتبات العالم، لكنه قد يجد صعوبة في الوصول إلى مؤسسة في مدينته.

 

وشابة تمتلك العلم والكفاءة والطموح، لكنها قد تضطر إلى إثبات قدرتها قبل أن تحصل أصلا على حقها في المنافسة.

 

وهؤلاء لا يريدون مكانا خاصا على هامش المجتمع.

 

يريدون مكانهم الطبيعي في قلبه.

 

وهنا علينا أن نسأل أنفسنا جميعا:

 

كم طاقة فلسطينية نخسر كل يوم؟

 

كم شابا وشابة فكروا في الهجرة لأنهم لم يجدوا فرصة؟

 

كم فكرة ماتت قبل أن تولد؟

 

كم كفاءة أرهقتها المحسوبية؟

 

وكم موهبة لم نكتشفها لأننا كنا مشغولين بالبحث عمن نعرف، بدلا من البحث عمن يستطيع؟

 

الأوطان الفقيرة بالفرص لا تستطيع أن تكون غنية بالمستقبل.

 

وفلسطين، في ظروفها الصعبة، لا تملك ترف إضاعة شبابها وشاباتها.

 

كل عقل نهمشه خسارة.

 

كل كفاءة ندفعها إلى الهجرة خسارة.

 

كل موهبة نغلق أمامها الباب خسارة.

 

وكل شاب أو شابة يتحول حلمهما من بناء مستقبلهما في وطنهما إلى مجرد البحث عن طريق للخروج منه، يجب أن يجعلنا نتوقف طويلا.

 

لكنني في المقابل لا أريد أن أقول للشباب والشابات: انتظروا حتى يتغير كل شيء.

 

ولا أريد أن أبيعهم أملا سهلا.

 

الواقع صعب، نعم.

 

لكن انتظار الآخرين كي يصنعوا لكم المستقبل قد يجعل سنوات أخرى تمر بالطريقة نفسها.

 

لهذا أقول لكم:

 

لا تنتظروا دوركم… اصنعوا دوركم.

 

تعلموا خارج حدود الشهادة.

 

استخدموا التكنولوجيا لا للترفيه فقط، بل للمعرفة والعمل وصناعة الفرص.

 

تعاونوا.

 

أسسوا مبادراتكم.

 

ناقشوا مشكلات مجتمعكم وابحثوا عن حلول لها.

 

ادخلوا العمل العام.

 

راقبوا المؤسسات.

 

طالبوا بحقكم في المشاركة.

 

ولا تسمحوا لأحد أن يقنعكم بأن السياسة للكبار، والاقتصاد لأصحاب المال، والقرار لأصحاب المناصب، وأن دور الشباب والشابات هو الانتظار.

 

فأنتم لستم جمهور المستقبل.

 

أنتم شركاء في صناعته.

 

ولا تسمحوا للاختلاف بينكم أن يتحول إلى سبب جديد لإضعافكم.

 

شاب وشابة.

 

من مدينة أو قرية أو مخيم.

 

مبصر أو كفيف.

 

قادر على الحركة أو يحتاج إلى طريق أكثر تهيئة.

 

من هذا التنظيم أو ذاك، أو من دون أي تنظيم.

 

هذه الاختلافات لا تلغي حقيقة واحدة:

 

أن مستقبلكم واحد، وأن الوطن يحتاج إلى طاقاتكم جميعا.

 

أما نحن، الأجيال التي سبقتكم، فعلينا أن نمتلك شجاعة الاعتراف:

 

لم نسلمكم الواقع الذي تستحقونه.

 

تركنا لكم احتلالا لم ينته، وانقساما طال أكثر مما يجب، واقتصادا ضعيفا، ومحسوبية أغلقت أبوابا كثيرة، ومؤسسات تحتاج إلى إصلاح، ومساحات للمشاركة أضيق من طاقاتكم.

 

ولا يحق لنا بعد ذلك أن نطلب منكم فقط الصبر والانتظار.

 

واجبنا أن نفتح الطريق أمامكم.

 

لكن واجبكم ألا تنتظروا إلى الأبد حتى يفتحه أحد.

 

في يوم الشباب العالمي، لا أريد احتفالا بالشباب والشابات فقط.

 

أريد أن نستمع إليهم.

 

لا أريد أن نسألهم فقط عن مشكلاتهم.

 

أريد أن نسألهم عن حلولهم.

 

لا أريد أن نعدهم كل عام بأنهم قادة المستقبل.

 

أريد أن نراهم شركاء في الحاضر.

 

فالمستقبل لا يبدأ غدا.

 

المستقبل يبدأ من الفرصة التي نعطيها اليوم لشاب يمتلك فكرة، ولشابة تمتلك كفاءة، ولطالب أو طالبة يبحثان عن طريق، ولمبدع أو مبدعة يريدان مساحة، ولكفيف أو كفيفة يرى بعقله ما قد يعجز آخرون عن رؤيته بأعينهم.

 

وفي يومكم، يا شباب وشابات فلسطين، لدي رسالة واحدة:

 

لا تسمحوا لليأس أن يصبح ميراثكم.

 

ولا للمحسوبية أن تقنعكم بأن الكفاءة بلا قيمة.

 

ولا للاحتلال أن يقنعكم بأن الحياة توقفت.

 

ولا لأحد أن يحجز لكم مقاعد في الصفوف الخلفية ثم يحدثكم عن المستقبل.

 

انهضوا بعقولكم.

تعلموا.

شاركوا.

اسألوا.

اعترضوا حين يجب الاعتراض.

واقترحوا حين يكون لديكم البديل.

وابنوا مساحاتكم بأيديكم.

ففلسطين لا تحتاج شبابها وشاباتها على مقاعد الانتظار…

فلسطين تحتاجهم حيث تصنع الفكرة، وحيث يتخذ القرار، وحيث يبدأ التغيير.