عماد خالد رحمة _ برلين.
لم تكن علاقة العرب بالغرب تاريخًا من القطيعة الخالصة، ولا سجلًا متصلًا من الصراع كما توحي بعض القراءات الاختزالية؛ بل كانت، في عمقها التاريخي، حركةً متشابكة من الأخذ والعطاء، والتأثير والتأثر، والترجمة والاقتباس، والمواجهة والحوار. وإذا كان السيف قد مثّل في بعض مراحل التاريخ أداةً للصدام بين الحضارات، فإن الثقافة تستطيع أن تستعيد معنى اللقاء، وأن تجعل من الكلمة جسرًا حيث أقامت القوة متاريسها. ومن هنا يبرز مفهوما المثاقفة والمقابسة بوصفهما مدخلين لإعادة التفكير في علاقة العرب بالغرب، لا باعتبارها علاقة غالبٍ ومغلوب، وإنما باعتبارها إمكانًا لحوار تتبادل فيه الثقافات أنوارها دون أن تفقد ذواتها.
من المثاقفة إلى المقابسة
حين نتحدث عن مواجهة أو مقارنة بين أدبين متمايزين، أو بين منظومتين فكريتين تنتميان إلى فضاءين حضاريين مختلفين، فإن مفهوم المثاقفة يصبح من المفاهيم المركزية التي لا يمكن تجاوزها. والمثاقفة، في دلالتها الأنثروبولوجية، تحيل إلى جملة العمليات التي تنشأ حين تتفاعل ثقافة مع ثقافة أخرى، فتتأثر بها وتؤثر فيها، وتعيد كل واحدة منهما النظر في بعض عناصرها من خلال احتكاكها بالآخر.
غير أن اختزال المثاقفة في انتقال أحادي الاتجاه من ثقافة قوية إلى ثقافة ضعيفة يفرغ المفهوم من طاقته الإنسانية والحضارية. فالثقافات لا تعيش في جزر معزولة، ولا تنمو داخل حدود مغلقة؛ إنها كائنات رمزية تتغذى من الحوار، وتعيد تشكيل ذاتها كلما التقت بغيرها.
ومن هنا يمكن النظر إلى المثاقفة بوصفها حوارًا بين الذات والآخر، لا عملية ابتلاع للآخر. فالآخر ليس بالضرورة خصمًا ينبغي إخضاعه، كما أن الذات ليست كيانًا هشًا لا يستطيع أن يفتح نوافذه على الثقافات الأخرى إلا خشية الذوبان. إن الثقافة الواثقة من ذاتها لا تخاف من الحوار، لأنها تعرف أن التفاعل لا يعني التنازل، وأن الانفتاح لا يعني الذوبان.
وفي هذا السياق يبدو مصطلح المقابسة أكثر دفئًا وإيحاءً من مفهوم المثاقفة في بعض استعمالاته الحديثة؛ إذ يحمل في اللغة العربية صورةً بالغة الدلالة: أن يأخذ المرء قبسًا من نار غيره دون أن تنطفئ ناره. إنها ليست سرقة للنور، وإنما مشاركة في الضوء.
المقابسة: فلسفة الأخذ والعطاء
تحيلنا كلمة المقابسة إلى التراث العربي، ولا سيما إلى أفق أبي حيان التوحيدي، حيث تبدو الثقافة في واحدة من أجمل صورها فعلَ مجالسة وحوار وتلاقح للأفكار. فالمعرفة لا تنزل على الإنسان مكتملة، وإنما تتكون في فضاء السؤال والجواب، والمناظرة والمناقشة، والإنصات والاعتراض.
ومن هذه الزاوية تصبح المقابسة مفهومًا صالحًا لإعادة بناء العلاقة بين الثقافات على أساس مختلف: أن يأخذ كل طرف من الآخر قبسًا، لا أن ينتزع منه النار كلها.
إن الثقافة التي تقابس غيرها لا تتخلى عن ذاكرتها، وإنما تختبرها. ولا تتنازل عن خصوصيتها، وإنما تكتشف حدودها وإمكاناتها من خلال المرآة التي يقدمها الآخر. ولذلك فإن اللقاء الحضاري الحقيقي لا ينبغي أن يكون سؤالًا عن: من انتصر؟ بل عن: ماذا أضاف كل منا إلى إنسانية الآخر؟
الغرب بوصفه آخراً، والشرق بوصفه موضوعاً
لقد أنتج اللقاء التاريخي بين الشرق والغرب أشكالًا متعددة من التفاعل، كان بعضها معرفيًا وثقافيًا وإيجابيًا، بينما ارتبط بعضها الآخر بعلاقات القوة والاستعمار والهيمنة. ومن هنا برزت ظاهرة الاستشراق بوصفها واحدة من أكثر الظواهر تعقيدًا في تاريخ العلاقة بين الغرب والشرق.
ولا يمكن اختزال الاستشراق كله في صورة واحدة؛ فقد أسهم مستشرقون في تحقيق المخطوطات ودراسة اللغة العربية والإسلام والفكر والأدب، وأتاح بعض نتاجهم للثقافة العربية نفسها أن تعيد اكتشاف جوانب من تراثها. غير أن تيارات أخرى داخل الاستشراق ارتبطت بنظرة تجعل الشرق موضوعًا للدراسة من موقع معرفي غير متكافئ، وتضعه في مقابل مركز أوروبي يُفترض أنه معيار العقل والحداثة والتقدم.
وهنا تظهر إشكالية المركزية الأوروبية؛ أي تحويل تجربة حضارية محددة إلى معيار كوني تقاس به التجارب الأخرى. فالخطر لا يكمن في دراسة الآخر، وإنما في دراسة الآخر من موقع يختزل وجوده، ويعيد تعريفه وفق مقاييس لا يشارك هو في إنتاجها.
ولذلك فإن تجاوز المركزية الأوروبية لا يكون باستبدال مركزية بمركزية أخرى، ولا بتحويل الغرب إلى خصم أبدي، وإنما بتحرير العلاقة من منطق المركز والهامش أصلًا.
من صدام الحضارات إلى حوار الثقافات
إن السؤال الحقيقي اليوم ليس: هل يستطيع العرب أن يواجهوا الغرب؟ وإنما: كيف يمكن أن يتحول اللقاء بين العرب والغرب من علاقة قوة إلى علاقة معرفة؟
لقد أثبت التاريخ أن الجيوش تستطيع احتلال المدن، لكنها لا تستطيع وحدها احتلال الذاكرة. وأن القوة قد تفرض نظامًا سياسيًا، لكنها لا تستطيع أن تخلق بالضرورة اقتناعًا ثقافيًا. وفي المقابل تستطيع رواية، أو قصيدة، أو ترجمة، أو كتاب فلسفي أن يعبر الحدود دون جواز سفر، وأن يدخل إلى وجدان الآخر من الباب الذي تعجز عنه القوة.
لهذا فإن استبدال السيف بالقلم ليس استعارةً رومانسية فحسب؛ إنه مشروع حضاري. فالقلم لا يعني الاستسلام، كما أن الحوار لا يعني إلغاء الاختلاف. الحوار الحقيقي يفترض وجود اختلاف، لكنه يحول الاختلاف من ذريعة للصراع إلى فرصة للمعرفة.
إننا لا نحتاج إلى حوار يجعل العرب نسخةً من الغرب، ولا إلى حوار يجعل الغرب نسخةً من العرب؛ بل إلى حوار يعترف بأن الحضارات تستطيع أن تتجاور دون أن تتطابق، وأن تختلف دون أن تتقاتل، وأن تتبادل دون أن يفقد أي منها حقه في تعريف ذاته.
الأدب: الدبلوماسي الذي لا يحمل سلاحًا
ولعل الأدب هو المجال الأكثر قدرة على أداء هذه المهمة؛ لأن الأدب لا يخاطب العقل وحده، بل يخاطب الذاكرة والحس والخيال والوجدان. وعندما تُترجم رواية عربية إلى لغة أوروبية، أو تُقرأ قصيدة أوروبية في فضاء عربي، فإن شيئًا يتجاوز الكلمات يحدث: يدخل عالمٌ إنساني إلى عالم آخر.
الترجمة، بهذا المعنى، ليست نقلًا لغويًا فحسب، بل فعل مثاقفة ومقابسة. إنها تعيد بناء صورة الآخر داخل اللغة الجديدة، وتمنحه فرصة لأن يتكلم من داخله، لا أن يُتحدث عنه فقط.
وهنا يمكن للأدب العربي أن يؤدي دورًا بالغ الأهمية في تصحيح الصور النمطية عن الإنسان العربي، كما يستطيع الأدب الغربي أن يتيح للقارئ العربي أن يكتشف الغرب بعيدًا عن الصور السياسية والإعلامية الجاهزة.
إن القصيدة لا تحتاج إلى دبابة كي تعبر الحدود، والرواية لا تحتاج إلى سفارة كي تدخل مدينة بعيدة، والفكرة لا تحتاج إلى جيش كي تستقر في عقل قارئ آخر.
نحو «مؤتمر» جديد بين العرب وأوروبا
في هذا السياق تكتسب الإشارة إلى مفهوم اللقاء الجدلي بين أطراف متعارضة، الذي ارتبط بمحاولة تصور مؤتمر للحوار بين أوروبا والعرب، دلالة رمزية لافتة؛ إذ يمكن أن تُقرأ الفكرة باعتبارها انتقالًا من منطق المواجهة إلى منطق اللقاء، ومن صدام الأسلحة إلى صراع الأفكار الخلاق.
وإذا كان التاريخ قد عرف مؤتمرات كثيرة لرسم الحدود وتوزيع النفوذ وإدارة الصراعات، فإن الحاجة اليوم تبرز إلى مؤتمرات من نوع آخر: مؤتمرات لا تجتمع فيها الدول وحدها، بل الكتب واللغات والآداب والفلسفات والفنون.
فما نحتاج إليه ليس مؤتمرًا سياسيًا جديدًا بقدر ما نحتاج إلى فضاء حضاري يلتقي فيه المفكر العربي بالفيلسوف الأوروبي، والشاعر العربي بالشاعر الغربي، والروائي بالروائي، والمترجم بالمترجم، والباحث بالباحث؛ لا ليتفقوا في كل شيء، وإنما ليعرف كل طرف لماذا يختلف الآخر.
المقابسة بوصفها طريقاً ثالثاً
بين الاستسلام للآخر ورفض الآخر، ثمة طريق ثالث هو المقابسة.
أن نأخذ من الغرب ما ينفعنا دون أن نتحول إلى صورة عنه، وأن نقدم إليه من ثقافتنا ما يوسع أفقه دون أن نفرض عليه صورةً جاهزة عنا. أن نتعلم منه دون عقدة نقص، وأن نعلمه دون عقدة تفوق. أن نقرأه بعين نقدية، وأن يقرأنا بعين نقدية أيضًا.
وهكذا تتحول المثاقفة من عملية نقل إلى عملية إنتاج مشترك للمعنى.
فالإنسان لا يكتمل في عزلته، والثقافة لا تزدهر في قوقعتها، والحضارة لا تصبح أكثر قوة لأنها أغلقت أبوابها، وإنما لأنها امتلكت القدرة على استقبال الآخر وإعادة صياغة ما تستقبله ضمن منظومتها الخاصة.
خاتمة: حين يصبح القلم جسراً
ربما يكون السؤال الأعمق من سؤال: «هل هناك حوار بين العرب والغرب يستبدل السيف بالقلم؟» هو: هل نستطيع أن نجعل من القلم لغةً مشتركة دون أن نجعل من الاختلاف جريمة؟
إن المستقبل لا يحتاج إلى حضارة تنتصر على حضارة، بل إلى ثقافات تتعلم كيف تتجاور، وكيف تقابس، وكيف تمنح وتأخذ، وكيف تنظر إلى الآخر بوصفه شريكًا في الإنسانية قبل أن يكون موضوعًا للدراسة أو طرفًا في الصراع.
لقد كان السيف يفتح الأبواب بالقوة، أما القلم فيفتحها بالمعرفة. وكان السيف يفرض حضور الجسد، أما الكتاب فيمنح حضور الروح والفكرة. وبينهما يتحدد الفارق بين علاقة تقوم على الإخضاع وعلاقة تقوم على الحوار.
ولعل أجمل ما يمكن أن تفعله الثقافة العربية والغربية اليوم هو أن تضعا بينهما جسرًا من الكتب بدل متراس من الصور النمطية، ومائدةً للحوار بدل ساحة للمواجهة، وقبسًا من نار كل ثقافة في يد الثقافة الأخرى.
عندها لا تكون المثاقفة ذوبانًا، ولا المقابسة تبعية، ولا الحوار تنازلًا؛ بل يصبح اللقاء نفسه شكلًا من أشكال المقاومة الحضارية: مقاومة الجهل بالمعرفة، ومقاومة الصور النمطية بالقراءة، ومقاومة العنف بالكلمة.
وهكذا، ربما يكون السؤال الحقيقي ليس: هل نستبدل السيف بالقلم؟
بل: هل نستطيع أن نجعل القلم جسرًا يعبر عليه المختلفون دون أن يضطر أحدهم إلى التخلي عن هويته؟
وهنا تبدأ الحضارة من جديد.