“منابرُ الخير في مرمى الاستهداف… واعتقالُ الشيخ حاتم البكري شاهدٌ على همجيةٍ لا تخفى”

د. منى أبو حمدية

أكاديمية وباحثة
————————

في لحظةٍ بدا فيها المشهدُ أكثر قسوةً من الكلمات، امتدّت يدُ الاحتلال لتطال شخصيةً دينيةً عُرفت بين الناس بالوقار والعطاء، لا بالسلاح ولا بالصخب. لم يكن اعتقالُ الشيخ حاتم البكري حدثاً عابراً في سجلّ الأخبار، بل كان رسالةً واضحةً تُجسّد حجم الهمجية التي تستهدف الرموز المجتمعية والدينية، وتضيق على كل يدٍ امتدّت لتخفيف وجع يتيم أو مساعدة محتاج.

لقد جاء اقتحام الجمعية الإسلامية في مدينة الخليل واعتقال الشيخ البكري في سياقٍ يوحي بسياسةٍ ممنهجة، تُمعن في التضييق على المؤسسات الخيرية، وتُصوّب نحو الشخصيات التي تحمل ثقة الناس، وتؤدي رسالتها في خدمة المجتمع بصمتٍ وإخلاص. فحين يُستهدف رجلُ دينٍ عرفه الناس حاضراً في الميدان، قريباً من الفقراء، ساهراً على شؤون الأيتام، فإن المسألة تتجاوز شخصاً بعينه، لتطال قيم الرحمة والتكافل التي يقوم عليها المجتمع.

الشيخ حاتم البكري لم يكن مجرد اسمٍ في موقعٍ رسمي، بل كان وجهاً مألوفاً في شوارع الخليل، ورمزاً دينياً واجتماعياً ارتبط اسمه بالعطاء والاستقامة. ومن هنا، فإن استهدافه لا يمكن قراءته إلا بوصفه اعتداءً على المكانة الدينية، ومحاولةً للنيل من الشخصيات التي تشكّل مرجعيةً أخلاقيةً وروحيةً لأبناء المدينة.

إن هذا الاعتقال الجائر يفضح عقليةً لا ترى في العمل الخيري سوى تهديد، ولا في العمل الوطني سوى جرمٍ يستحق العقاب. وهو في الوقت ذاته يكشف عن خشيةٍ حقيقيةٍ من حضور الشخصيات التي تحظى بثقة الناس، وتملك القدرة على التأثير في مجتمعها، والمساهمة في صناعة الوعي وتعزيز صمود المدينة.

ورغم قسوة المشهد، فإن التجارب علمتنا أن غياب أصحاب المقام الرفيع والكفاءة الوطنية لا يُطفئ أثرهم، بل يزيد حضورهم في وجدان الناس. فالشيخ حاتم هو عنوانٌ لمكانةٍ علميةٍ ودينية، ودليلٌ على ثقة المجتمع بمن يحمل العلم والرسالة. وأمثال هؤلاء، إذا اعتُقلوا بسبب مواقفهم أو عطائهم، يتحولون في ذاكرة الناس إلى رموزٍ للصمود، وعناوينَ للثبات، وشواهدَ حيّة على أن الكلمة الصادقة قد تُقيَّد زمناً، لكنها لا تُهزم.

ستبقى الخليل وفيةً لرجالها، تعرف قدرهم، وتحفظ أسماءهم في ذاكرة المكان، لأن المدن التي تُنجب أصحاب الرسالة لا تنسى فضلهم، ولا تتخلى عنهم في ساعات الشدة.

ومن هنا، فإن الواجب الإنساني والأخلاقي يفرض مناشدة المنظمات الحقوقية الدولية، والهيئات المعنية بحماية حقوق الإنسان، للتحرك العاجل من أجل الإفراج عن الشيخ حاتم البكري، ووقف سياسة التنكيل والاستهداف التي تطال الشخصيات الدينية والعلمية في فلسطين. فصون الكرامة الإنسانية، وحماية الرموز المجتمعية، ليس شأناً محلياً فحسب، بل مسؤولية دولية تتطلب موقفاً واضحاً وإجراءً حازماً.