جاري التحميل...

من أوسلو إلى التهجير… ثلاثة وثلاثون عامًا تغيّرت فيها خريطة فلسطين

 

بقلم: محمد أبو التاج

في 13 سبتمبر/أيلول 1993، وقف ياسر عرفات وإسحق رابين في حديقة البيت الأبيض وتصافحا أمام العالم.

بالنسبة إلى الفلسطينيين، لم تكن الصورة مجرد مصافحة بين عدوين. كان وراءها أمل أكبر: أن تكون السنوات الانتقالية طريقًا إلى إنهاء الاحتلال وقيام الدولة الفلسطينية.

مرت السنوات الخمس التي كان يفترض أن تكون انتقالية. ثم عشر سنوات. ثم عشرون. واليوم مرت ثلاثة وثلاثون عامًا.

وربما لا نحتاج إلى آلاف الصفحات التي كُتبت عن أوسلو حتى نعرف أين وصلنا.

يكفي أن ننظر إلى الخريطة.

إلى المستوطنات الإسرائيلية التي توسعت، والبؤر التي انتشرت فوق التلال، والطرق التي ربطت كثيرًا منها بإسرائيل وببعضها، والأراضي الفلسطينية التي صودرت أو أصبح الوصول إليها أكثر صعوبة.

إلى القدس الشرقية التي تزداد إحاطة بالمستوطنات، وإلى المنطقة C التي تشكل أكثر من 60% من مساحة الضفة الغربية وبقيت خاضعة لسيطرة إسرائيلية واسعة في الأمن والتخطيط والبناء وإدارة معظم شؤون الأرض.

ثم إلى مناطق A، حيث يدخل الجيش الإسرائيلي المدن والمخيمات ويعتقل ويهدم ويغلق الطرق، وإلى مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، حيث لا يزال عشرات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين مهجرين بعد العمليات العسكرية الإسرائيلية.

ثم ننظر إلى غزة، التي كانت جزءًا من الأرض نفسها التي دخل الفلسطينيون أوسلو وهم يعتقدون أنها ستقود إلى دولتهم، فإذا بها تعيش حصارًا وحروبًا متكررة، ثم دمارًا هائلًا بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.

بين صورة المصافحة عام 1993 وهذه الخريطة اليوم، توجد قصة ثلاثة وثلاثين عامًا.

وهي في جوهرها قصة سؤال واحد:

من يسيطر على الأرض، ومن يستطيع البقاء عليها؟

خمس سنوات كان يفترض أن تغيّر المستقبل

بعد نحو خمسة أشهر من توقيع أوسلو، دخل المستوطن الإسرائيلي باروخ غولدشتاين الحرم الإبراهيمي في الخليل أثناء صلاة الفجر في رمضان، وفتح النار على المصلين الفلسطينيين، فاستشهد 29 منهم وأصيب العشرات.

وبعد أقل من عامين، اغتال المتطرف الإسرائيلي يغال عمير رئيس الوزراء إسحق رابين بسبب معارضته للمسار السياسي الذي قاده.

كان الحدثان مختلفين، لكنهما كشفا مبكرًا حجم القوة التي كانت تقف في وجه أي مسار يمكن أن ينتهي بانسحاب إسرائيلي من الأراضي المحتلة.

استمرت المفاوضات، لكن الاستيطان استمر أيضًا.

توسعت المستوطنات، وأقيمت بؤر جديدة، وشُقت طرق، وسيطرت إسرائيل بوسائل مختلفة على مزيد من الأراضي.

وهكذا ظهرت مفارقة أوسلو الكبرى:

كان الفلسطينيون يتفاوضون على الدولة، بينما كانت الأرض التي يفترض أن تقوم عليها هذه الدولة تتغير تحت أقدامهم.

الخريطة أهم من الخطابات

قد يكون مشروع E1 أفضل مثال على ذلك.

تقع المنطقة بين القدس الشرقية ومستوطنة معاليه أدوميم. ومن بعيد قد يبدو الأمر مشروعًا استيطانيًا آخر، لكن المشكلة ليست في عدد البيوت التي ستُبنى، بل في أثرها على الخريطة.

فالتوسع الاستيطاني هناك يهدد التواصل الجغرافي الفلسطيني بين شمال الضفة وجنوبها، ويزيد عزل القدس الشرقية عن محيطها الفلسطيني.

إذا كان المجتمع الدولي ما يزال يتحدث عن دولة فلسطينية على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، فأين ستقوم هذه الدولة إذا استمرت الأرض نفسها في التقطع؟

يمكن إصدار عشرات البيانات عن حل الدولتين.

لكن الخريطة لا تقرأ البيانات.

هي تسجل ما بُني فوق الأرض، ومن يسيطر عليها، ومن يستطيع الوصول إليها.

وماذا بقي من مناطق A؟

تقسيم الضفة إلى مناطق A وB وC كان جزءًا من مرحلة انتقالية، لا نهاية الطريق.

لكن ما كان مؤقتًا أصبح شبه دائم، والحدود التي رسمها الاتفاق لم تعد تمنع الجيش الإسرائيلي من دخول المناطق التي يفترض أنها خاضعة للسيطرة الفلسطينية.

وفي مخيمات شمال الضفة، لم تعد المسألة اقتحامًا يستمر ساعات ثم ينتهي.

منذ مطلع عام 2025 أدت العمليات العسكرية الإسرائيلية الواسعة في مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس ومحيطها إلى تهجير عشرات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين، ولا يزال كثيرون منهم غير قادرين على العودة.

بالنسبة إليّ، هذه من أكثر الصور قسوة في كل ما حدث منذ أوسلو:

لاجئ فلسطيني هُجرت عائلته أصلًا، يعيش اليوم تجربة التهجير مرة أخرى من مخيم اللجوء نفسه.

الاستيطان ليس بيتًا على تل

من السهل اختزال الاستيطان في صورة بيوت إسرائيلية جديدة فوق تلة.

لكن الفلسطيني الذي يعيش قرب المستوطنة يعرف أن المسألة أكبر.

الاستيطان طريق، وحاجز، وبوابة، وبؤرة، وأرض يُمنع المزارع من الوصول إليها، وعنف يمارسه مستوطنون إسرائيليون ضد الفلسطينيين وممتلكاتهم.

وخلال السنوات الأخيرة ارتفعت هذه الهجمات بصورة حادة وطالت مئات التجمعات الفلسطينية.

لكن الرقم وحده لا يشرح ما يحدث.

هل يستطيع المزارع العودة إلى أرضه بعد الهجوم؟ هل يستطيع الراعي الوصول إلى مرعاه؟ هل تستطيع العائلة البقاء؟

في قرية المغير، أصبحت هجمات المستوطنين والاقتحامات وإغلاق الطرق والقيود على الوصول إلى الأراضي جزءًا متكررًا من حياة السكان. استشهد فلسطينيون وأصيب آخرون، وتوسعت البؤر الاستيطانية حول القرية، وتعرضت الأراضي والمواشي والممتلكات لاعتداءات متكررة.

هنا لا يعود الاستيطان مجموعة بيوت على تل.

يصبح شبكة تضغط على القرية وعلى قدرة أهلها على البقاء.

ثم هناك الماء

هناك شيء لا يظهر دائمًا على الخرائط السياسية:

الماء.

يمكن للفلسطيني أن يمتلك الأرض قانونيًا، لكن ماذا يفعل بها إذا لم يستطع سقايتها؟

هذا السؤال يظهر بصورة حادة في الأغوار الفلسطينية، في بردلا وعين البيضاء وكردلا والبقيعة وخربة عاطوف وتجمعات أخرى.

وثقت الأمم المتحدة خلال عام 2026 أعمال هدم وتخريب واعتداءات طالت شبكات وخزانات ومنشآت مياه وري، إلى جانب استهداف منشآت زراعية وفرض قيود على الوصول إلى الأرض ومصادر المياه. وفي بردلا، هدمت القوات الإسرائيلية دفيئات زراعية ودمرت شبكات المياه المرتبطة بها.

قد تبدو هذه أخبارًا صغيرة أمام أخبار الحرب والقتل.

لكنها ليست صغيرة لمن ينتظر الماء لينقذ موسمه.

إذا انقطع أيامًا، قد يخسر محصوله. وإذا استمر موسمًا، قد يخسر دخله. وإذا تحولت المياه نفسها إلى معركة يومية، فقد تصبح الزراعة غير ممكنة.

وعندما تتوقف الزراعة، لا يخسر الفلسطيني محصوله فقط، بل يفقد أحد أهم أسباب بقائه فوق أرضه.

حين تمنع الإنسان من الماء، فإنك لا تضغط على محصوله فقط. أنت تضغط على قدرته على البقاء في المكان.

وهنا نفهم أن التهجير لا يبدأ دائمًا بجرافة تهدم بيتًا.

قد يبقى البيت واقفًا، لكن الأرض تعطش، والمرعى يضيق، والطريق يغلق، والاعتداءات تتكرر.

ثم تحمل العائلة أشياءها وترحل.

فتبدو المغادرة كأنها قرار شخصي، لكنها لم تحدث في فراغ.

وغزة… كانت جزءًا من الوعد نفسه

ومن هنا أصل إلى غزة.

ليس لأن غزة والضفة عاشتا الشيء نفسه، بل لأنهما كانتا معًا جزءًا من الأرض التي دخل الفلسطينيون أوسلو وهم يعتقدون أنها ستقود إلى دولتهم.

في عام 2005 أخلت إسرائيل مستوطناتها من غزة وسحبت قواتها الدائمة من داخل القطاع، لكن بينما اختفت المستوطنات الإسرائيلية من داخله، استمر المشروع الاستيطاني في التوسع في الضفة.

وبعد سيطرة حماس على القطاع عام 2007، فرضت إسرائيل حصارًا مشددًا عليه، بينما فرضت مصر أيضًا قيودًا على معبر رفح.

وفي 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 شنت حماس وفصائل فلسطينية مسلحة هجومًا واسعًا على إسرائيل، قُتل خلاله مدنيون وجنود إسرائيليون واقتيد رهائن إلى قطاع غزة.

هذه حقيقة يجب أن تُقال.

لكنها لا تختصر ما حدث بعد ذلك.

حتى منتصف سبتمبر/أيلول 2026، تجاوز عدد الفلسطينيين الذين استشهدوا منذ 7 أكتوبر 73 ألفًا، وتجاوز عدد المصابين 174 ألفًا. تعرضت أحياء كاملة للدمار، ونزحت عائلات مرة بعد مرة، ودُمرت أو تضررت مئات الآلاف من الوحدات السكنية، إلى جانب المستشفيات والمدارس والجامعات وشبكات المياه والطرق والبنية التحتية.

وفي سبتمبر/أيلول 2025 خلصت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة إلى أن السلطات والقوات الإسرائيلية ارتكبت أفعالًا تشكل إبادة جماعية بحق الفلسطينيين في غزة. وفي 2026 خلصت اللجنة في تقرير جديد إلى أن استهداف الأطفال الفلسطينيين في غزة يرقى، ضمن أفعال أخرى، إلى الإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب.

لكن غزة لا تحتاج إلى الأرقام وحدها حتى تروي قصتها.

يكفي أن نسأل عائلة واحدة:

هل بقي البيت الذي يمكن العودة إليه؟

وفي الضفة يظهر السؤال نفسه بطريقة أخرى:

هل سيبقى الفلسطيني قادرًا على البقاء فوق أرضه أصلًا؟

غزة والضفة لم تعيشا التجربة نفسها، ولا ينبغي مساواتهما.

لكن في المكانين أصبح البقاء نفسه سؤالًا سياسيًا وإنسانيًا.

بعد ثلاثة وثلاثين عامًا… أين وصلنا؟

إذا وضعنا هذه الوقائع على خريطة واحدة، تصبح الصورة أوضح.

في غزة، قتل ودمار ونزوح وفقدان لمقومات الحياة. في القدس الشرقية، هدم بيوت وتوسع استيطاني ودعاوى إخلاء. في المنطقة C، مستوطنات وبؤر وضغوط متزايدة على التجمعات الفلسطينية. في E1، تهديد للتواصل الجغرافي الفلسطيني. وفي الأغوار، لا يدور الصراع على الأرض وحدها، بل على الماء الذي يحدد قدرة الناس على الزراعة والرعي والبقاء.

هذه الوقائع ليست متطابقة، لكنها تقود إلى السؤال نفسه:

من يستطيع البقاء على الأرض؟

بعد ثلاثة وثلاثين عامًا، لا أعتقد أن عبارة «نحن ما زلنا نؤمن بحل الدولتين» تكفي.

إذا كان العالم يريد دولتين فعلًا، فعليه أن يحمي الآن إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

وقف التوسع الاستيطاني، ومنع التهجير، وحماية الأرض الفلسطينية ومصادر المياه، ووقف المشاريع التي تقطع التواصل الجغرافي ليست ملفات يمكن تأجيلها. إنها شروط لكي يبقى حل الدولتين ممكنًا أصلًا.

لكن إذا استمر العالم في الحديث عن دولتين بينما يترسخ على الأرض واقع تتحكم فيه دولة واحدة بين البحر والنهر، فلا يمكنه الهروب من السؤال الآخر:

إذا لم تعد هناك إمكانية فعلية لدولتين، فهل يمكن القبول بدولة واحدة على الأرض لا يتمتع فيها الفلسطينيون والإسرائيليون بالحقوق الوطنية والسياسية نفسها؟

ليس دوري، ولا دور هذا المقال، أن يقرر نيابة عن الفلسطينيين والإسرائيليين شكل التسوية النهائية.

لكن هناك مبدأ أبسط من كل الخرائط والمفاوضات:

لا يمكن أن يكون المستقبل استمرارًا لسيطرة شعب على شعب آخر إلى ما لا نهاية.

إما دولتان حقيقيتان: إسرائيل، ودولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

وإما، إذا جعل الواقع هذا الحل مستحيلًا، دولة واحدة ديمقراطية يعيش فيها الفلسطينيون والإسرائيليون متساوين في الحقوق والواجبات.

لا يمكن للعالم أن يتمسك لفظيًا بحل الدولتين، ويقبل عمليًا بسيطرة دولة واحدة على الأرض، ثم يرفض في الوقت نفسه مبدأ المساواة الكاملة في الحقوق داخل ذلك الواقع.

في سبتمبر/أيلول 1993 شاهد العالم عرفات ورابين يتصافحان.

كان السؤال يومها:

متى ستقوم الدولة الفلسطينية؟

بعد ثلاثة وثلاثين عامًا، هناك سؤال يسبق ذلك:

ما الأرض التي ستبقى لهذه الدولة، ومن سيبقى عليها؟

الخريطة لا تسجل النيات.

هي تسجل النتائج.

عندما يُمنع المزارع من أرضه، ويفقد الراعي مرعاه، ولا يصل الماء إلى المزرعة، ويُهدم البيت، ويُهجّر اللاجئ مرة أخرى من مخيم اللجوء، لا تتغير حياة هؤلاء الناس فقط.

تتغير الخريطة.

ولهذا لم يعد السؤال فقط:

أين الدولة الفلسطينية؟

بل:

هل بقيت لها أرض متصلة يمكن أن تقوم عليها، وهل بقي الفلسطيني قادرًا على البقاء فوقها؟

يمكن الاختلاف على شكل الحل واسمه وحدوده.

لكن لا يمكن أن يكون الحل الدائم أن يعيش شعب متمتعًا بحقوقه الوطنية والسياسية كاملة، ويبقى شعب آخر تحت سيطرته محرومًا من حقوقه الوطنية والسياسية الأساسية.

لأن القصف قد يتوقف، والاقتحام قد ينتهي، والجرافة قد تغادر، والحاجز قد يُرفع.

لكن إذا خسرت العائلة بيتها، أو فقد المزارع أرضه، أو جف محصوله لأن الماء لم يعد يصل إليه، أو اضطر اللاجئ إلى الهجرة مرة أخرى، تبقى النتيجة على الخريطة:

الأرض تبقى في مكانها… والذي يتغير هو من يستطيع البقاء عليها.