من إدارة التصعيد إلى توازن الردع متعدد الأبعاد: كيف يُعاد تشكيل الإقليم والعالم ..

د. صلاح عبد العاطي

الباحث والخبير في القانون والعلاقات الدولية

لم يعد الشرق الأوسط يُقرأ بمنطق الحرب أو السلام، ولا حتى بمنطق “الأزمة العابرة”. ما نشهده اليوم هو تحوّل بنيوي عميق في طبيعة الصراع نفسه: صراع لا يُحسم، ولا يُترك لينفجر بالكامل، بل يُدار بدقة على حافة الهاوية. في هذا السياق، تتقاطع ثلاثة مسارات كبرى: مسار تفاوضي متذبذب بين الولايات المتحدة وإيران، ومسار تصعيد ميداني منخفض الحدة، ومسار ثالث أكثر عمقًا يتمثل في إعادة تشكيل ميزان الردع عبر صعود قوى إقليمية جديدة مثل تركيا.
هذا التداخل لا ينتج حالة استقرار، بل يخلق نموذجًا جديدًا يمكن وصفه بـ”إدارة الصراع المفتوح ضمن بيئة ردع متعددة الأقطاب”. وهنا، لا يكون الهدف إنهاء الصراع، بل منعه من الخروج عن السيطرة.
في قلب هذه المعادلة يقف مضيق هرمز، الذي لم يعد مجرد ممر نفطي، بل تحول إلى عقدة النظام الجيوسياسي العالمي. فكل ما يمر عبره من نفط وغاز يمر معه أيضًا ميزان القوة الدولي. الولايات المتحدة تسعى إلى تدويل أمنه، عبر إشراك قوى كبرى مثل الصين تحت شعار “حماية الملاحة”، لكنها في العمق تحاول إعادة إنتاج نفوذها البحري بصيغة أكثر مرونة. في المقابل، تنظر إيران إلى المضيق باعتباره امتدادًا مباشرًا لأمنها القومي، وترى أن أي عبور لا يمكن أن يكون خارج إطار التفاهم معها.
هنا تتشكل معادلة دقيقة: لا واشنطن قادرة على فرض سيطرة مطلقة، ولا طهران قادرة على إغلاق المضيق دون دفع كلفة كارثية. النتيجة هي ما يمكن تسميته بـ”توازن ردع بحري هش”، حيث الجميع قادر على الإيذاء، لكن لا أحد قادر على الحسم.
ضمن هذا الإطار، تأتي التسريبات حول تفاهم محتمل بين الولايات المتحدة وإيران—يتضمن تجميد التخصيب ورفعًا جزئيًا للعقوبات—كمحاولة لتخفيف الضغط، لا لإنهاء الصراع. فهذه التفاهمات، إن تحققت، لن تكون أكثر من “تجميد مؤقت” يعيد ترتيب الاشتباك دون أن يلغيه. بمعنى آخر، نحن أمام إدارة للأزمة، لا حل لها.
لكن حتى مع هذا المسار التفاوضي، تبقى الساحات الميدانية نشطة. في العراق، يستمر نمط الاستنزاف منخفض الحدة ضد الوجود الأميركي. وفي البحر الأحمر، تتحول الملاحة إلى ورقة ضغط ضمن صراع أوسع على الممرات البحرية. أما في لبنان، فالمعادلة أكثر هشاشة وخطورة، حيث يشكل أي تصعيد هناك اختبارًا مباشرًا لحدود التهدئة الإقليمية.
في موازاة ذلك، يتأكد أن طبيعة الحرب نفسها قد تغيّرت. لم تعد الجيوش التقليدية هي الفاعل الحاسم، بل أدوات منخفضة الكلفة وعالية التأثير: المسيّرات، الصواريخ الدقيقة، والعمليات غير المباشرة. والأهم أن الاقتصاد نفسه أصبح جزءًا من المعركة، حيث يمكن لاضطراب في مضيق واحد أن يهز أسواق العالم بأكملها. هكذا انتقلنا من “حرب الحسم” إلى “حرب الإرهاق الطويل”.
وفي قلب هذا التحول، يبرز عامل جديد: تفكك الاحتكار التقليدي للقوة. لم يعد الصراع محصورًا بين محورين، بل دخلت قوى إقليمية جديدة على خط الردع. فـتركيا، مثلًا، لم تعد تكتفي بدور تكتيكي قائم على الطائرات المسيّرة، بل تتجه نحو بناء قدرات ردع استراتيجية بعيدة المدى، بما يعزز استقلال قرارها العسكري ويعيد تعريف موقعها داخل تحالفات مثل حلف شمال الأطلسي.
هذا التوسع في عدد الفاعلين يعقّد المشهد أكثر. فبدل نظام ثنائي واضح، نحن أمام شبكة متحركة من القوى، حيث تلعب دول مثل الصين دور الحامي لمصالح الطاقة والتجارة، بينما تتحرك باكستان ضمن منطق العمق الاستراتيجي والتحالفات المرنة. النتيجة هي نظام بلا ثوابت حقيقية، حيث التحالفات مؤقتة، والمصالح متغيرة.
ضمن هذا الواقع، يتشكل توازن دقيق بين ثلاثة مسارات متوازية: التهدئة التفاوضية التي تسعى لتجميد الصراع، والتصعيد المُدار الذي يبقيه حيًا دون انفجار، وإعادة التسلّح التي ترفع كلفة أي مواجهة مستقبلية. هذه المعادلة لا تمنع الحرب، لكنها تؤجلها وتعيد تشكيلها.
وعليه، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا ليس حربًا شاملة، بل تهدئة هشّة تترافق مع سباق تسلح صامت. ومع ذلك، يبقى خطر الانزلاق قائمًا، سواء عبر تصعيد متعدد الجبهات أو “انفجار مضبوط” يتم احتواؤه لاحقًا. كما أن انهيار أي تفاهم—خصوصًا في مضيق هرمز أو الساحة اللبنانية—قد يعيد المنطقة سريعًا إلى حافة المواجهة المفتوحة.
في المحصلة، لا يتجه الشرق الأوسط نحو سلام نهائي، ولا نحو حرب حاسمة، بل نحو نموذج أكثر تعقيدًا: نظام صراع مُدار قائم على توازن ردع متعدد الأبعاد—بحري وبري واقتصادي—هش بطبيعته، وقابل للاشتعال في أي لحظة.
ربما يمكن تلخيص هذه المرحلة بجملة واحدة: لم تعد القوة لمن يملك السلاح فقط، بل لمن يملك القدرة على إدارة الصراع دون أن ينفجر في وجهه. أما الحقيقة الأعمق، فهي أن من يضبط الممرات—وفي مقدمتها مضيق هرمز—لم يعد يملك فقط مفاتيح الطاقة، بل مفاتيح النظام الدولي نفسه.