من “الأسادو” إلى لحم الحمير: الأرجنتين تحت صدمة النيوليبرالية في عهد خافيير ميلي

د. راسم بشارات

– دكتوراه في دراسات غرب آسيا، باحث و محلل، مختص في الشأن الفلسطيني واللاتيني.

في بلد ارتبطت هويته الوطنية تاريخيا بثقافة لحوم الأبقار وطقوس “الأسادو” (المشاوي) التي تمثل بالنسبة للأرجنتينيين أكثر من مجرد عادة غذائية، يبدو الحديث عن تزايد استهلاك لحوم الحمير وكأنه مؤشر رمزي على عمق الأزمة التي تعيشها البلاد. فالأرجنتين، التي لطالما اعتبرت، مع البرازيل، سلة غذاء العالم وواحدة من أغنى دول أمريكا اللاتينية بالموارد الزراعية، تجد نفسها اليوم أمام تراجع اقتصادي حاد دفع شرائح واسعة من الفقراء وحتى قطاعات من الطبقة الوسطى إلى البحث عن بدائل غذائية أقل تكلفة. ولهذا لم يعد التحول في أنماط الاستهلاك يقرأ باعتباره مجرد نتيجة طبيعية لارتفاع الأسعار، بل بوصفه انعكاسا لتحول اجتماعي أعمق يطال صورة المجتمع الأرجنتيني نفسه ومستوى معيشته التقليدي.
وتزداد رمزية هذا المشهد في ظل صعود الرئيس اليميني خافيير ميلي، الذي يقود واحدة من أكثر التجارب الليبرالية راديكالية في تاريخ أمريكا اللاتينية المعاصر. فمنذ وصوله إلى السلطة، تبنى ميلي خطابا يقوم على تفكيك النموذج الاقتصادي والاجتماعي الذي حكم الأرجنتين لعقود، معتبرا أن الدولة، والدعم الحكومي، والسياسات الاجتماعية، ليست حلولا للأزمة بل جزءا من أسبابها. ولذلك جاءت سياساته الاقتصادية قائمة على تقليص دور الدولة، ورفع الدعم، وتحرير السوق، وفرض ما يشبه “العلاج بالصدمة” بهدف إعادة بناء الاقتصاد وفق منطق السوق الحر، وهو مفهوم يرتبط فكريا بالاقتصادي الأمريكي ميلتون فريدمان ومدرسة جامعة شيكاغو الاقتصادية.
لكن اختزال الأزمة الحالية في مجرد موجة تضخم أو ارتفاع تكاليف المعيشة سيكون تبسيطا مضللا لطبيعة ما يجري داخل الأرجنتين. إذ أن المشهد يعكس في جوهره صراعا أعمق بين نموذجين متناقضين للدولة والمجتمع. فمن جهة، هناك إرث طويل من الدولة الاجتماعية والتقاليد البيرونية التي قامت على الحماية الاجتماعية والتدخل الحكومي ودعم الطبقات الشعبية، ومن جهة أخرى يطرح ميلي مشروعا يقوم على الرأسمالية المطلقة بوصفها الطريق الوحيد للخروج من الانهيار الاقتصادي.
ولهذا لا تبدو المواجهة الحالية مجرد خلاف حول السياسات الاقتصادية، بل معركة أيديولوجية وثقافية حول مستقبل الأرجنتين نفسها. الرئيس ميلي لا يقدم نفسه فقط كرئيس يسعى إلى إصلاح الاقتصاد، بل كزعيم يخوض مواجهة مباشرة ضد اليسار والإرث السياسي الذي حكم البلاد لعقود، مستخدما خطابا حادا ضد الاشتراكية والعدالة الاجتماعية والنقابات والحركات اليسارية. وفي المقابل، ترى قطاعات واسعة من المعارضة أن ما يجري ليس إصلاحا اقتصاديا بقدر ما هو محاولة لإعادة تشكيل المجتمع وفق نموذج نيوليبرالي قد يؤدي إلى تفكيك الدولة الاجتماعية وتعميق الفوارق الطبقية.
ومن هنا، فإن الجدل الدائر حول الغذاء والأسعار وأنماط الاستهلاك يكشف في الواقع عن أزمة أوسع تتعلق بهوية الدولة وحدود الليبرالية الاقتصادية ومستقبل العلاقة بين السوق والمجتمع في واحدة من أكثر دول أمريكا اللاتينية أهمية وتأثيرا.

كيف صعد خافيير ميلي أصلا:
لفهم صعود خافيير ميلي وتحوله من شخصية إعلامية مثيرة للجدل إلى رئيس يقود الأرجنتين، لا بد أولا من فهم حجم الأزمة التي كانت تعيشها البلاد قبل وصوله إلى السلطة. فصعوده لم يكن حدثا معزولا أو مجرد نتيجة لحملة انتخابية ناجحة، بل جاء في سياق انهيار اقتصادي وسياسي طويل أدى إلى تآكل ثقة قطاعات واسعة من المجتمع بالنخب التقليدية وبالنموذج الذي حكم البلاد لعقود.
على مدى سنوات، عانت الأرجنتين من أزمة اقتصادية مزمنة اتسمت بارتفاع معدلات التضخم، وتراكم الديون الخارجية، وتراجع قيمة العملة الوطنية، إضافة إلى عجز الحكومات المتعاقبة عن تحقيق استقرار اقتصادي مستدام. ورغم أن الحكومات البيرونية واليسارية نجحت في بعض المراحل في توسيع برامج الدعم الاجتماعي وتحسين أوضاع الفئات الفقيرة، فإنها لم تتمكن من بناء نموذج اقتصادي قادر على السيطرة على التضخم أو استعادة الثقة بالبيزو أو جذب استثمارات كافية لإخراج الاقتصاد من أزمته الهيكلية. ومع مرور الوقت، بدأت السياسات القائمة على الإنفاق والدعم تواجه حدودها مع تراجع الاحتياطات النقدية وازدياد الاعتماد على الاستدانة.
وبحلول الانتخابات الأخيرة، كان المجتمع الأرجنتيني يعيش حالة إنهاك اقتصادي واجتماعي غير مسبوقة. فقد تجاوز التضخم مستويات قياسية أثرت على الدخول والأجور، بينما تراجعت القدرة الشرائية بصورة حادة واتسعت رقعة الفقر حتى داخل قطاعات كانت تعتبر جزءا من الطبقة الوسطى المستقرة. وفي الوقت نفسه، تصاعد شعور واسع بفقدان الثقة بالمؤسسات السياسية التقليدية، بعدما بدا لكثير من الأرجنتينيين أن النخب الحاكمة، سواء من اليمين التقليدي أو من التيارات البيرونية واليسارية، عاجزة عن تقديم حلول حقيقية للأزمة المتفاقمة.
في هذه اللحظة تحديدا، ظهر خافيير ميلي باعتباره تعبيرا عن حالة الغضب والتمرد على المنظومة السياسية والاقتصادية القائمة، وبنى صورته على خطاب صدامي يستهدف الدولة، والنقابات، والضرائب، والبنك المركزي، وحتى الإرث السياسي الذي حكم البلاد لعقود، وقدم نفسه بوصفه الرجل الذي سيقوم بقطع جذور الأزمة عبر تقليص دور الدولة إلى الحد الأدنى وتحرير الاقتصاد بصورة جذرية، مستخدماً رمز المنشار للتعبير عن مشروعه القائم على تفكيك البيروقراطية والإنفاق الحكومي. ولذلك لم ينظر إليه كمرشح يميني تقليدي فقط، بل كظاهرة احتجاجية سياسية تعكس رغبة قطاع واسع من المجتمع في القطيعة مع النظام القديم مهما كانت كلفة هذه القطيعة.

“العلاج بالصدمة” ولماذا أصبح الغذاء أزمة؟
يرتبط مفهوم العلاج بالصدمة فكريا بالمفكر الاقتصادي الأميركي ميلتون فريدمان ومدرسة جامعة شيكاغو الاقتصادية، ويعني تنفيذ إصلاحات اقتصادية واسعة ومؤلمة دفعة واحدة بدلا من التدرج. فريدمان كان يرى بأن الأزمات تمثل فرصا لتمرير إصلاحات جذرية بسرعة، لأن المجتمعات أثناء الأزمات تكون أكثر استعدادا لقبول تغييرات لم تكن ممكنة في الظروف العادية.
منذ وصول خافيير ميلي إلى السلطة، بدأت حكومته بتطبيق برنامج اقتصادي قائم على فكرة العلاج بالصدمة، أي تنفيذ إصلاحات مالية واقتصادية جذرية وسريعة بهدف إعادة هيكلة الاقتصاد الأرجنتيني ووقف الانهيار النقدي الذي تراكم على مدى سنوات. وفي هذا السياق، تبنت الحكومة سلسلة إجراءات قاسية شملت خفض الإنفاق العام، وتقليص الدعم الحكومي، وتحرير الأسعار، وتخفيض قيمة العملة، إضافة إلى تسريح آلاف الموظفين وتقليص دور الدولة في الخدمات والقطاعات الاجتماعية. وقد قدمت هذه السياسات باعتبارها ضرورة لا مفر منها لإعادة التوازن المالي واستعادة ثقة الأسواق والمستثمرين.
اقتصاديا، كان الهدف المعلن لهذه الإجراءات يتمثل في كبح التضخم وإنهاء العجز المالي المزمن الذي أنهك الاقتصاد الأرجنتيني لعقود. وبالفعل، تمكنت الحكومة من تحقيق بعض المؤشرات التي اعتبرها أنصار ميلي دليلا على نجاح المشروع الليبرالي، مثل تحقيق فائض مالي أولي وتراجع نسبي في بعض المؤشرات النقدية. غير أن هذه النجاحات المالية جاءت مصحوبة بكلفة اجتماعية ثقيلة انعكست بصورة مباشرة على الحياة اليومية للمواطنين، خاصة داخل الطبقات الفقيرة والمتوسطة.
ومع التحرير السريع للأسعار ورفع أشكال متعددة من الدعم، شهدت تكاليف الغذاء والطاقة والنقل ارتفاعا حادا أدى إلى تآكل القدرة الشرائية للأجور بصورة غير مسبوقة. وفي ظل استمرار التضخم وتراجع قيمة العملة، أصبحت شرائح واسعة من المجتمع عاجزة عن الحفاظ على أنماط الاستهلاك التي كانت تعد جزءا أساسيا من الحياة اليومية في الأرجنتين، وعلى رأسها استهلاك اللحوم التقليدية المرتبطة بثقافة الأسادو والهوية الغذائية الوطنية.
ومن هنا بدأ الحديث عن اللجوء إلى بدائل غذائية أرخص، من بينها لحوم الحمير والخيول في بعض المناطق الفقيرة، ليس بوصف ذلك تحولا ثقافيا أو عادة غذائية جديدة، بل باعتباره مؤشرا على تراجع مستوى المعيشة والانزلاق نحو أنماط استهلاك اضطرارية تفرضها الأزمات الاقتصادية الحادة. ولهذا اكتسبت قضية الغذاء بعدا رمزيا وسياسيا يتجاوز مسألة الأسعار، إذ أصبحت تعبيرا عن التحول الذي يعيشه المجتمع الأرجنتيني تحت ضغط السياسات التقشفية.
وفي هذا السياق، لم تعد الأزمة تقاس فقط بالأرقام الاقتصادية أو المؤشرات المالية، بل بمدى انعكاسها على الحياة اليومية للناس وعلى صورة الأرجنتين نفسها كدولة ارتبطت تاريخيا بالوفرة الغذائية وقوة الطبقة الوسطى. ولذلك يرى معارضو ميلي أن العلاج بالصدمة قد نجح في تهدئة بعض المؤشرات الاقتصادية، لكنه في المقابل نقل كلفة الإصلاح بصورة مباشرة إلى المجتمع، مما جعل الغذاء نفسه يتحول إلى مرآة للأزمة الاجتماعية والسياسية التي تعيشها البلاد.

لماذا يحمل لحم الحمير دلالة سياسية ورمزية؟
في أمريكا اللاتينية، لا يمكن النظر إلى الغذاء باعتباره مسألة معيشية منفصلة عن السياسة، بل يعتبر أحد المؤشرات الأساسية على طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع. ولهذا فإن التحولات في أنماط الاستهلاك، خاصة فيما يتعلق بالمواد الغذائية المرتبطة بالهوية الوطنية، تكتسب غالبا بعدا سياسيا ورمزيا يتجاوز قيمتها الاقتصادية المباشرة. وفي الحالة الأرجنتينية تحديدا، تمثل لحوم الأبقار أكثر من مجرد سلعة غذائية؛ فهي جزء من صورة البلاد بوصفها دولة زراعية غنية تمتلك وفرة غذائية وقدرة تاريخية على توفير مستوى معيشي مستقر لطبقتها الوسطى.
ومن هنا، فإن تراجع قدرة قطاعات واسعة من المجتمع على شراء اللحوم التقليدية لا ينظر اليه كمؤشر على ارتفاع الأسعار فقط، بل كإشارة إلى تصدع العقد الاجتماعي الذي قامت عليه الدولة الحديثة في الأرجنتين. فعندما تصبح المواد التي كانت تعد رمزا للوفرة الوطنية بعيدة عن متناول الفقراء وحتى شرائح من الطبقة الوسطى، يتحول الغذاء نفسه إلى مرآة للأزمة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تمر بها البلاد.
ولهذا تحاول المعارضة اليسارية تقديم ظاهرة اللجوء إلى بدائل غذائية أرخص، مثل لحوم الحمير أو الخيول، باعتبارها دليلا رمزيا على فشل النيوليبرالية المتوحشة التي يتبناها خافيير ميلي. ففي الخطاب اليساري، يتم ربط هذه الصور بتاريخ طويل من الأزمات المرتبطة بسياسات صندوق النقد الدولي والتقشف في أمريكا اللاتينية، حيث أصبحت طوابير الخبز والأحياء الفقيرة وانهيار القدرة الشرائية رموزا متكررة للنتائج الاجتماعية القاسية التي خلفتها التجارب النيوليبرالية في القارة.
في المقابل، يرفض أنصار ميلي تحميل سياساته وحدها مسؤولية الأزمة الحالية، ويعتبرون أن ما تعيشه الأرجنتين اليوم هو نتيجة تراكم عقود من الشعبوية الاقتصادية والإنفاق غير المستدام والتوسع في دور الدولة دون وجود قاعدة إنتاجية قوية تدعم هذا النموذج. ومن وجهة نظرهم، فإن الأزمة الحالية ليست إلا الثمن المؤجل لانهيار نموذج اقتصادي قائم على الدعم المفرط والعجز المالي والتضخم المزمن، وأن الإصلاحات المؤلمة تمثل ضرورة لا مفر منها لإعادة بناء الاقتصاد حتى وإن كانت كلفتها الاجتماعية مرتفعة في المدى القصير.
وهنا يكمن جوهر المعركة السياسية والأيديولوجية داخل الأرجنتين. فاليسار يرى أن السوق الحرة، عندما تترك دون ضوابط اجتماعية، تؤدي إلى تفكيك المجتمع وتعميق الفوارق الطبقية وتحويل الحقوق الأساسية إلى امتيازات مرتبطة بالقدرة الشرائية. أما اليمين الليبرالي، فيعتبر أن الدولة الريعية والشعبوية هي التي أوصلت البلاد إلى حافة الانهيار، وأن تحرير السوق وتقليص دور الدولة يمثلان الطريق الوحيد للخروج من الأزمة.
وبذلك يصبح الجدل حول الغذاء، والقدرة على شراء اللحم، وأنماط الاستهلاك اليومية، تعبيرا عن صراع أوسع بكثير يتعلق بمستقبل الدولة الأرجنتينية نفسها، فهل تستمر كدولة اجتماعية تتدخل لحماية الفئات الشعبية، أم تتحول إلى نموذج أكثر راديكالية يقوم على أولوية السوق حتى لو جاءت الكلفة الاجتماعية مرتفعة؟.
ولهذا تبدو الأرجنتين اليوم وكأنها تعيش صراعا مفتوحا بين مشروعين متناقضين، مشروع ليبرالي راديكالي يحاول إعادة بناء الدولة والاقتصاد عبر تقليص دور الدولة إلى الحد الأدنى، ومشروع اجتماعي يسعى إلى الحفاظ على إرث الحماية الاجتماعية وتدخل الدولة.

أين تقف فلسطين في هذا المشهد؟
لا يبدو موقف خافيير ميلي من إسرائيل مجرد تفصيل مرتبط بالسياسة الخارجية أو بالعلاقات الدبلوماسية التقليدية، بل يشكل جزءا أساسيا من هويته السياسية والأيديولوجية. فمنذ صعوده إلى السلطة، حرص الرئيس الأرجنتيني على تقديم نفسه بوصفه حليفا استثنائيا لإسرائيل، مستخدما خطابا حادا ومباشرا يعكس انتماءه إلى معسكر اليمين الليبرالي المحافظ المتحالف مع الولايات المتحدة والغرب. ولهذا لم تكن تصريحاته المتكررة حول دعمه لإسرائيل أو إعلانه فخره بكونه “أكثر رئيس صهيوني في العالم” مجرد مواقف رمزية، بل تعبيرا عن إعادة تموضع أوسع للأرجنتين داخل النظام الدولي.
وفي هذا السياق، سعى ميلي إلى تعزيز علاقاته بالحكومة الإسرائيلية واتخاذ مواقف أكثر تشددا تجاه الحركات اليسارية والتيارات المتضامنة مع فلسطين داخل الأرجنتين. ويعكس هذا التوجه محاولة واضحة لإدخال البلاد ضمن محور عالمي يضم اليمين الليبرالي والمحافظ المتحالف مع واشنطن وتل أبيب، وهو محور يرى في السوق الحرة والتحالفات الغربية أساسا للاستقرار السياسي والاقتصادي. ولذلك أصبحت السياسة الخارجية جزءا من المشروع الأيديولوجي الداخلي الذي يقوده ميلي، وليس مجرد امتداد منفصل عنه.
في المقابل، تنظر قطاعات واسعة من اليسار الأرجنتيني إلى القضية الفلسطينية باعتبارها امتدادا تاريخيا لنضالات التحرر الوطني ومقاومة الاستعمار والهيمنة الخارجية. ولهذا يرتبط التضامن مع فلسطين داخل الخطاب اليساري بفكرة الأممية وبالذاكرة السياسية التي ربطت بين نضالات شعوب أمريكا اللاتينية وحركات التحرر في العالم الثالث. ومن هنا، أصبح الصراع حول فلسطين جزءا من الاستقطاب الداخلي نفسه، حيث ينظر إلى المواقف من القضية الفلسطينية باعتبارها انعكاسا للانقسام الأوسع بين مشروعين متناقضين؛ مشروع يرى الخلاص في الاندماج داخل المعسكر الغربي المحافظ، وآخر يربط العدالة الاجتماعية والتحرر الوطني بمواجهة الهيمنة الدولية.
وقد أدى هذا التحول إلى إعادة صياغة السياسة الخارجية الأرجنتينية بصورة واضحة. فبعد سنوات من تبني مواقف أكثر توازنا تجاه الشرق الأوسط وأكثر دعما للحقوق الفلسطينية، اتجهت الأرجنتين في عهد ميلي نحو انحياز أكثر وضوحا لإسرائيل، ما أثار انتقادات واسعة داخل الأوساط النقابية والطلابية والتيارات اليسارية التي اعتبرت هذا التموضع تخليا عن تقاليد دبلوماسية ارتبطت تاريخيا بدعم قضايا التحرر الوطني وحقوق الشعوب.
ماذا تكشف التجربة الأرجنتينية عن أمريكا اللاتينية؟
ما يحدث في الأرجنتين اليوم لا يمكن عزله عن التحولات الأوسع التي تشهدها أمريكا اللاتينية بأكملها، إذ تبدو تجربة خافيير ميلي انعكاساً لمرحلة جديدة تعيشها القارة بعد سنوات من صعود الحكومات اليسارية والشعبوية. فصعود اليمين الراديكالي في الأرجنتين لم يأتِ من فراغ، بل جاء نتيجة تراكم طويل من الأزمات الاقتصادية وفقدان الثقة بالنخب التقليدية التي حكمت لسنوات دون أن تتمكن من تحقيق استقرار اقتصادي مستدام.
وفي هذا السياق، تكشف التجربة الأرجنتينية عن عودة النيوليبرالية إلى الواجهة، لكن بصيغ أكثر حدة وراديكالية مما عرفته القارة في تسعينيات القرن الماضي. فالأمر لم يعد يتعلق فقط بإصلاحات اقتصادية أو ببرامج تقشف، بل بمحاولة شاملة لإعادة تعريف دور الدولة وحدود العدالة الاجتماعية والعلاقة بين السوق والمجتمع. ولهذا تترافق السياسات الاقتصادية الجديدة مع تصاعد واضح للحروب الثقافية والأيديولوجية، حيث لم يعد الصراع يدور حول الضرائب والدعم فقط، بل حول الهوية والقيم والرموز والتاريخ السياسي للقارة نفسها.
ومن هنا، تبدو الأرجنتين وكأنها تخوض مواجهة تتجاوز حدود الاقتصاد إلى إعادة تشكيل المجال السياسي والثقافي بالكامل. فاليمين الجديد لا يقدم نفسه فقط كبديل اقتصادي، بل كمشروع يهدف إلى كسر الهيمنة الفكرية لليسار داخل الجامعات والنقابات والإعلام والذاكرة السياسية لأمريكا اللاتينية. وفي المقابل، تحاول الحركات اليسارية والنقابية استعادة حضورها عبر ربط الأزمة الاجتماعية الحالية بعودة السياسات النيوليبرالية التي ارتبطت تاريخيا بالفقر والتفاوت الاجتماعي في القارة.
لكن التجربة الأرجنتينية تكشف أيضا مفارقة عميقة. فاليمين صعد إلى السلطة مستفيدا من غضب الناس تجاه الانهيار الاقتصادي وعجز النخب التقليدية، لكنه يواجه في الوقت نفسه خطر السقوط إذا تحولت “صدمة الإصلاح” الاقتصادية إلى انفجار اجتماعي واسع. فكلما ازدادت كلفة التقشف على الطبقات الفقيرة والوسطى، ازدادت احتمالات عودة الاحتجاجات والنقابات والتيارات اليسارية إلى الشارع، ما يجعل مستقبل التجربة الليبرالية الراديكالية في الأرجنتين مفتوحا على احتمالات متناقضة بين النجاح الاقتصادي والانفجار الاجتماعي.

الخاتمة
إن تحول لحم الحمير إلى رمز متداول داخل النقاش العام الأرجنتيني لا يمكن التعامل معه بوصفه مجرد ظاهرة مرتبطة بالأزمة المعيشية، بل باعتباره مؤشرا سياسيا واجتماعيا على عمق التحولات التي تمر بها البلاد. الأرجنتين لا تعيش اليوم أزمة اقتصادية عابرة فحسب، بل تخوض تجربة راديكالية تسعى إلى إعادة تشكيل الاقتصاد والدولة والثقافة السياسية في وقت واحد، وسط صراع حاد حول طبيعة النموذج الذي سيحكم المجتمع في المرحلة المقبلة.

وفي قلب هذه التحولات، يبرز خافيير ميلي بوصفه تعبيرا عن تمرد عنيف على الإرث البيروني واليساري الذي هيمن على الحياة السياسية الأرجنتينية لعقود طويلة. فهو لا يقدم نفسه كرئيس يسعى فقط إلى معالجة التضخم أو إصلاح المالية العامة، بل كزعيم يريد تفكيك النموذج الاجتماعي والسياسي الذي قامت عليه الدولة الحديثة في الأرجنتين. لكن هذه المحاولة تضعه في مواجهة اختبار شديد التعقيد، لأن تطبيق الليبرالية الاقتصادية المتطرفة داخل مجتمع يعاني أصلا من هشاشة اقتصادية وتفاوت اجتماعي عميق يحمل مخاطر انفجار اجتماعي قد يقوض المشروع نفسه الذي جاء لتنفيذه.

وفي الوقت ذاته، تكشف التجربة الأرجنتينية أن الصراع لم يعد محصورا داخل الحدود الوطنية أو مقتصرا على السياسات الاقتصادية وحدها، بل أصبح جزءا من استقطاب عالمي أوسع بين رؤيتين متناقضتين للعالم. فهناك معسكر يرى في السوق الحرة، وتقليص دور الدولة، والتحالف مع الغرب، الطريق الوحيد نحو الاستقرار والخروج من الأزمات، ومعسكر آخر يربط العدالة الاجتماعية وقضايا التحرر الوطني بمواجهة الهيمنة الاقتصادية والسياسية الدولية. ومن هنا، لا تبدو القضية الفلسطينية داخل هذا السياق مجرد ملف خارجي بعيد عن الواقع الأرجنتيني، بل جزءا من هذا الانقسام الأيديولوجي العالمي الذي يعيد رسم التحالفات والهويات السياسية في أمريكا اللاتينية وغيرها.

ولهذا، فإن ما يجري في الأرجنتين اليوم لا يتعلق فقط بمستقبل حكومة أو بسياسات اقتصادية مؤقتة، بل يعكس صراعا أعمق حول حدود النيوليبرالية، ومستقبل الدولة الاجتماعية، وشكل العلاقة بين المجتمع والسوق، والدور الذي تريد أمريكا اللاتينية أن تلعبه داخل النظام العالمي المتغير.