بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين.
ليس الغرب حقيقةً جغرافيةً خالصة، ولا كياناً حضارياً متجانساً أبدياً، بل هو مفهوم تاريخي تشكّل عبر تفاعلات الدين والثقافة والسياسة، وأعاد إنتاج صورته تبعاً لتحوّلات القوة وموازين المصالح. ومن ثمّ، فإنّ فهم الغرب لا يكتمل بالنظر إليه من خارجه فحسب، بل يقتضي الإصغاء إلى خطابه عن ذاته، وتأمّل المسافة بين القيم التي يعلنها والمصالح التي يدافع عنها، وبين تصوّره لهويته وطبيعة علاقته بالآخر. فكيف يرى الغرب نفسه؟ وهل يمثّل وحدةً حضاريةً متماسكة، أم أنّه بناءٌ تاريخي تتبدّل حدوده كلما تبدّلت خرائط الصراع؟
الغرب الأوروبي : هوية صاغها التاريخ وأعاده السياسة تعريفها.
تتشكّل صورة الآخر في الوعي الجمعي عبر تراكم طويل من المعارف والتمثّلات والذاكرة والصراعات، حتى تغدو بعض التصوّرات حقائقَ راسخةً يصعب مساءلتها. وفي العلاقة بين الشرق والغرب، لم تكن الحدود الفاصلة بين الطرفين جغرافيةً فحسب، بل كانت أيضاً حدوداً رمزيةً وثقافيةً وسياسيةً، رسمتها المصالح، ورسّختها السرديات، وأعادت الحروب إنتاجها في صورٍ متعاقبة.
ولعلّ الإشكال الأعمق لا يكمن في اختلاف الحضارات بحدّ ذاته، فالاختلاف شرطٌ من شروط الوجود الإنساني، وإنما في تحوّله إلى معيارٍ للتفاضل، حين تنصّب جماعةٌ نفسها مرجعاً كونياً للحقيقة والتقدّم، وتضع الآخرين في مراتب أدنى من سلّم الحضارة. عندئذٍ لا تعود الهوية مساحةً للتعريف بالذات، بل تتحوّل إلى أداةٍ لتصنيف الآخرين، وقد تصبح ذريعةً لتبرير إخضاعهم أو إعادة تشكيلهم وفق صورةٍ يحدّدها الطرف الأقوى.
من هنا تبرز ضرورة النظر إلى الغرب من داخله، لا بوصفه كتلةً واحدةً متجانسة، بل فضاءً تتجاور فيه اتجاهاتٌ فكرية وسياسية متعارضة، وتتفاعل داخله رؤى مختلفة بشأن الدين والحداثة والسيادة والعلاقة بالعالم.
تحولات المفهوم الغربي : من المسيحية إلى الحداثة.
يرتبط تشكّل الهوية الغربية بتاريخٍ طويل من التفاعلات الدينية والفلسفية والسياسية. فقد أدّت المسيحية دوراً محورياً في بناء جانبٍ مهم من الذاكرة الأوروبية، وأسهمت مؤسساتها وتقاليدها في صياغة تصوّرات المجتمع والأخلاق والسلطة. غير أنّ الغرب لم يتوقّف عند هذه المرحلة؛ إذ أعادت النهضة الأوروبية، والإصلاح الديني، وعصر الأنوار، والثورات السياسية، والثورة العلمية، صياغة العلاقة بين الإنسان والدين والدولة والمعرفة.
ومع صعود الحداثة، برزت مفاهيم العقل والحرية والمواطنة والحقوق بوصفها ركائزَ أساسيةً في الخطاب السياسي الغربي. ولم يكن هذا التحوّل مجرّد قطيعةٍ كاملة مع الماضي المسيحي، كما لم يكن امتداداً بسيطاً له؛ بل نشأ من تفاعلٍ معقّد بين الموروث الديني والتحوّلات الفلسفية والاجتماعية والسياسية.
وفي هذا السياق، يكتسب طرح وزير الخارجية الفرنسي الأسبق أوبير فيدرين أهميته، حين يتناول الغرب بوصفه بناءً تاريخياً لا حقيقةً أزلية. فالمفهوم، وفق هذا المنظور، لم يحتفظ بدلالةٍ واحدة عبر العصور، وإنما اكتسب معاني مختلفة بحسب السياق الذي استُخدم فيه. وقد عرفت أوروبا، في مراحل من تاريخها الاستعماري، خطاباً يميّز بين «الأمم المتحضّرة» وغيرها، وهو خطابٌ لم يكن توصيفاً بريئاً للاختلاف، بل ارتبط في حالات كثيرة بتبرير التوسّع والسيطرة.
ومع ذلك، لا يصحّ اختزال القيم الغربية الحديثة في جذورها الدينية وحدها، أو ردّها جميعاً إلى المصالح الإمبراطورية؛ فهي أيضاً ثمرة صراعات داخلية طويلة، ونضالات اجتماعية وفكرية أسهمت في توسيع الحقوق والحريات، وفي نقد الاستبداد والتمييز والاستعمار من داخل المجتمعات الغربية نفسها.
وهنا تكمن المفارقة: فالتاريخ الغربي لا يقدّم روايةً واحدةً عن ذاته، بل يضمّ في نسيجه إرثاً من الهيمنة، وإرثاً من مقاومتها؛ تقاليدَ إقصاء، وتقاليدَ تحرّر؛ خطاباً يبرّر التفوّق، وخطاباً يسائل أسسه الأخلاقية.
بعد الحرب العالمية الثانية : حين تحولت الحضارة الإنسانية إلى اصطفاف سياسي.
لم يكن مفهوم الغرب، في استعمالاته السياسية الحديثة، منفصلاً عن التحوّلات التي أعقبت الحرب العالمية الثانية. فقد أسهم الصراع بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي في تثبيت صورة الغرب بوصفه معسكراً سياسياً واستراتيجياً، ارتبط بالليبرالية الرأسمالية والتعددية السياسية، في مقابل المعسكر الشرقي الذي قادته موسكو.
ومع تأسيس حلف شمال الأطلسي عام 1949، اكتسبت هذه الهوية بُعداً مؤسسياً وعسكرياً واضحاً. وهكذا تداخلت الجغرافيا بالحسابات الاستراتيجية، وأصبحت العضوية في التحالفات، والتموضع إزاء القوى الكبرى، من العناصر التي تحدّد معنى الانتماء إلى الغرب.
لكنّ هذا التشكّل يكشف عن حقيقةٍ أساسية: فالهوية الحضارية لا تنفصل دائماً عن مقتضيات القوة. إذ قد تتّسع حين تستدعي المصالح تحالفاتٍ جديدة، وتضيق حين تتعارض الحسابات السياسية، وقد تتحوّل من إطارٍ ثقافي إلى منظومة اصطفافٍ عسكري واقتصادي.
وفي عالم اليوم، تتجلّى هذه الإشكالية بوضوح في الحرب الروسية الأوكرانية، التي اندلعت مرحلتها الواسعة في شباط/فبراير 2022، وما رافقها من تصاعد المواجهة بين روسيا والدول الغربية، ومن إعادة ترتيب للأولويات الأمنية والعسكرية الأوروبية. ومع ذلك، فإنّ وصف الحرب باعتبارها مواجهةً بين الشرق والغرب وحدهما يظلّ تبسيطاً لا يحيط بتعقيداتها؛ فهي حربٌ لها أسبابها المباشرة وتاريخها الإقليمي، كما تتداخل فيها اعتبارات السيادة والأمن والتحالفات وتوازنات القوى الدولية.
ومن الضروري هنا التمييز بين روسيا بوصفها دولةً ذات مصالح وتوجّهات خاصة، وبين الشرق بوصفه فضاءً حضارياً واسعاً لا تتطابق مواقف شعوبه ودوله. فالصين والهند ودول الشرق الأوسط وآسيا لا تتحرّك جميعها وفق إرادةٍ سياسية واحدة، مثلما لا تتطابق مواقف الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وسائر الدول الأوروبية في كل قضية.
إنّ تحويل العالم إلى ثنائيةٍ مغلقة بين شرقٍ وغرب يطمس تعدّده الحقيقي، ويحوّل الاختلافات الداخلية إلى تفاصيل هامشية في سردية الصراع.
الولايات المتحدة وأوروبا : تحالف لا يلغي التباين.
تشكّل العلاقة عبر الأطلسي أحد أهم أركان النظام الغربي المعاصر، لكنّها لم تكن يوماً علاقةً خاليةً من التوتر. فالولايات المتحدة تمتلك ثقلاً عسكرياً واقتصادياً واستراتيجياً يمنحها قدرةً واسعة على التأثير في القرار الغربي، في حين تسعى دول أوروبية، وفي مقدمتها فرنسا، إلى تعزيز استقلالية القرار الأوروبي وتوسيع هامش المناورة في السياسة الدولية.
وتتجلّى هذه المسألة في النقاش حول مفهوم «الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي»، الذي يدعو إلى امتلاك أوروبا قدرةً أكبر على اتخاذ قراراتها الدفاعية والسياسية، من دون أن يعني ذلك بالضرورة الانفصال عن الولايات المتحدة أو التخلي عن حلف شمال الأطلسي.
ومن هذا المنظور، يمكن فهم انتقادات فيدرين للتبعية الأوروبية بوصفها اعتراضاً على اختزال الغرب في القيادة الأمريكية، لا إنكاراً لأهمية الروابط التاريخية والاستراتيجية التي تجمع ضفتي الأطلسي. فالسؤال الذي يطرحه هذا النقد يتجاوز طبيعة التحالف إلى حدود السيادة داخله: هل تستطيع أوروبا أن تكون حليفاً للولايات المتحدة من موقع الشراكة، أم أنّ اختلال موازين القوة يجعل استقلال قرارها محدوداً في القضايا المصيرية؟
ولا يقتصر هذا السؤال على أوروبا؛ إذ تواجه دول آسيوية ترتبط أمنياً بالولايات المتحدة معادلاتٍ مشابهة، تحاول فيها الموازنة بين ضمانات الحماية ومصالحها الاقتصادية، وبين مقتضيات التحالف وضرورات الاستقلال. لكنّ اختلاف أوضاع هذه الدول ومصالحها يحول دون إدراجها جميعاً في نموذجٍ واحد.
وهكذا يصبح الغرب، في أحد أبعاده المعاصرة، شبكةً من التحالفات والمصالح والمؤسسات، تتجاوز حدود القارة الأوروبية، من دون أن تفقد التناقضات التي تنشأ بين أعضائها.
اختبار المصالح والقيم الكونية
تتمثّل إحدى أعقد مفارقات الخطاب الغربي في العلاقة بين ادّعاء كونية القيم وممارسة السياسة وفق مقتضيات المصلحة الوطنية والاستراتيجية. فحقوق الإنسان، وحرية التعبير، وسيادة القانون، ومبادئ الديمقراطية، تشكّل مرجعياتٍ مهمة في الخطاب السياسي الغربي، كما تحظى بمكانةٍ راسخة في منظومات قانونية ومؤسساتية متعددة. غير أنّ تطبيقها في العلاقات الدولية يثير أسئلةً مشروعة بشأن الانتقائية، واختلاف المعايير، وتفاوت الاستجابة للانتهاكات بحسب هوية الأطراف ومواقعها السياسية.
ولا يكمن النقد الموضوعي في إنكار القيمة الإنسانية لهذه المبادئ، أو الادّعاء بأنّها مجرّد أدواتٍ للهيمنة، بل في مساءلة الفجوة التي قد تنشأ بين الإعلان والممارسة. فالقيمة التي تُطبَّق على الحليف وتُحجب عن الخصم تفقد جانباً من مصداقيتها، والحقّ الذي يُدافع عنه في مكان ويُتغاضى عن انتهاكه في مكان آخر يضع الخطاب الأخلاقي أمام امتحان الاتساق.
وفي المقابل، لا ينبغي تحويل هذا النقد إلى حكمٍ شامل على المجتمعات الغربية؛ إذ تضمّ هذه المجتمعات مؤسساتٍ قضائية ورقابية، وحركاتٍ مدنية وحقوقية، وأصواتاً أكاديمية وإعلامية تنتقد سياسات حكوماتها وتطالب بمحاسبتها. إنّ وجود هذه التقاليد النقدية جزءٌ من الواقع الغربي نفسه، مثلما أنّ مظاهر الانتقائية والتناقض جزءٌ من سجلّه السياسي.
والتمييز بين المجتمع والدولة، وبين المبدأ وتوظيفه، وبين الخطاب الرسمي وتعدّد الأصوات داخله، شرطٌ لفهمٍ أكثر دقةً للغرب، بعيداً عن التمجيد المطلق أو الإدانة الشاملة.
هل سينتهي الغرب أم سيعاد تعريفه؟
إنّ السؤال عن نهاية الغرب لا يتعلّق بالضرورة بانهيار حضارةٍ أو زوال منظومةٍ ثقافية، بل بإمكان انتهاء صيغةٍ تاريخية اعتادت أن تربط القيادة العالمية بهويةٍ غربية تتمحور حول الولايات المتحدة وأوروبا. فصعود الصين، وتنامي أدوار قوى إقليمية أخرى، والتحوّلات الاقتصادية والتكنولوجية، وتزايد الدعوات إلى إصلاح مؤسسات الحوكمة الدولية، كلها عوامل تدفع إلى إعادة النظر في طبيعة النظام العالمي وتوزيع النفوذ داخله.
لكنّ تراجع الاحتكار لا يعني بالضرورة زوال التأثير، كما أنّ صعود قوى جديدة لا يضمن تلقائياً نشوء نظامٍ أكثر عدلاً. فالتعددية الدولية قد تفتح المجال أمام توازناتٍ أوسع، لكنها قد تنتج أيضاً أشكالاً جديدة من التنافس والهيمنة، إذا لم تقترن بقواعد عادلة تحمي السيادة والحقوق وتحدّ من استخدام القوة.
ومن ثمّ، فإنّ مستقبل الغرب لن يتحدّد فقط بقدرته على مواجهة روسيا أو احتواء صعود الصين، بل كذلك بقدرته على مراجعة علاقته بالعالم، وإعادة التوفيق بين مصالحه الاستراتيجية والمبادئ التي يعلنها، وبين حاجته إلى التحالفات واحترامه لاستقلال شركائه.
كما أنّ مستقبل العلاقة بين الشرق والغرب لن يُحسم بمجرد انتقال مركز الثقل الاقتصادي أو العسكري من منطقةٍ إلى أخرى، بل بمدى القدرة على بناء نظامٍ دولي يعترف بتعدّد التجارب الحضارية، ويمنع تحويل الاختلاف إلى ذريعةٍ للإقصاء أو الإخضاع.
الاعتراف بالآخر من خلال صورة الذات
إنّ النظر إلى الغرب من منظوره الخاص لا يعني التسليم بسرديته عن ذاته، كما أنّ نقد هذه السردية لا يقتضي رفض كل ما أنتجته حضارته من معرفةٍ وفلسفةٍ ومؤسساتٍ وقيم. المطلوب هو قراءةٌ نقدية تميّز بين التاريخ والأسطورة، وبين المبادئ والمصالح، وبين الهوية الحضارية وتوظيفها السياسي.
فالشرق ليس نقيضاً ثابتاً للغرب، والغرب ليس جوهراً أبدياً لا يتغيّر؛ كلاهما تسميتان واسعتان لفضاءاتٍ متعدّدة، تتفاعل داخلها الهويات وتتعارض المصالح وتتشابك مسارات التاريخ. وما يبدو صراعاً حضارياً في بعض الخطابات قد يكون، عند تفكيك عناصره، تنافساً على النفوذ والموارد والأمن وموقع القيادة العالمية.
ولعلّ السؤال الأجدر بالطرح ليس: مَن ينتصر، الشرق أم الغرب؟ بل: أيّ عالمٍ نريد أن ينشأ من تحوّلات القوة، وأيّ قواعد ينبغي أن تحكم العلاقة بين الشعوب والدول؟ فالمستقبل لا ينبغي أن يكون استبدال هيمنةٍ بأخرى، ولا انتقالاً من مركزٍ متسلّط إلى مركزٍ جديد، بل سعياً إلى نظامٍ دولي تتراجع فيه ازدواجية المعايير، وتتسع فيه مساحة العدالة والشراكة والاعتراف المتبادل.
عندئذٍ فقط، تتحرّر الهوية من سجن المفاضلة، ويصبح الاختلاف إمكاناً للتعارف لا ذريعةً للصراع، وتغدو الحضارة قيمةً بما تمنحه للإنسان من كرامةٍ وحرية، لا بما تفرضه على الآخرين من نفوذٍ وسيطرة.