د. راسم بشارات – المدير العام لجمعية جسور لدراسات الهجرة والتماسك الاجتماعي والتعاون الثقافي. دكتوراه في دراسات غرب آسيا، باحث و محلل، مختص في الشأن الفلسطيني واللاتيني. مفوض العلاقات الخارجية لدى منظمة البيدر للدفاع عن حقوق البدو والقرى المستهدفة في فلسطين
الهجرة غير النظامية نحو أوروبا لم تعد تقرأ بوصفها نتيجة مباشرة للفقر أو البطالة أو النزاعات المسلحة فحسب، بل أصبحت خلال العقد الأخير أحد أكثر الملفات ارتباطً بالتوازنات الجيوسياسية والصراعات الإقليمية. فقد تحولت إدارة الحدود، والتحكم في تدفقات المهاجرين، والتعاون الأمني بين دول المصدر والعبور والاستقبال، إلى أدوات تأثير متبادل في العلاقات الدولية.
وفي هذا السياق، أعادت الأحداث التي شهدتها مدينة سبتة الإسبانية أواخر تموز 2026 تسليط الضوء على هذا التحول، بعدما تمكن عشرات الآلاف من المواطنين المغاربة من الوصول إلى المدينة خلال أيام قليلة سباحة أو عبر الالتفاف على الحواجز البحرية، في واحدة من أكبر موجات العبور التي عرفتها الحدود الجنوبية للاتحاد الأوروبي.
ولم تتوقف تداعيات الأزمة عند بعدها الأمني أو الإنساني، بل سرعان ما تحولت إلى قضية سياسية أثارت نقاشً واسعً داخل إسبانيا والاتحاد الأوروبي حول مستقبل إدارة الحدود، ودور المغرب باعتباره الشريك الأكثر أهمية في ضبط الهجرة غير النظامية، وما إذا كانت هذه التطورات تعكس مجرد تداعيات قانونية وأمنية، أم أنها تعبر عن استخدام الهجرة كورقة ضغط في سياقات سياسية أوسع.
يجمع عدد من الباحثين والخبراء في شؤون الهجرة على أن نقطة التحول الأساسية جاءت مع قرار المحكمة العليا الإسبانية الصادر في أواخر يونيو وبداية يوليو 2026، والذي اعتبر أن المهاجرين الذين يصلون إلى سبتة أو مليلية عن طريق البحر لا يجوز إخضاعهم لإجراءات الإعادة الفورية، بل يجب تمكينهم من الاستفادة من الضمانات القانونية المنصوص عليها في القانون الإسباني والأوروبي.
وخلال أيام قليلة، انتشر مضمون القرار بصورة واسعة عبر شبكات التواصل الاجتماعي داخل المغرب، مصحوبا بتفسيرات تفيد بأن الوصول إلى سبتة سباحة قد يمنح فرصة أكبر للبقاء داخل الأراضي الإسبانية، الأمر الذي دفع آلاف الشباب إلى محاولة العبور بشكل متزامن.
وتكشف هذه الواقعة كيف أصبح للقرارات القضائية الوطنية أثر يتجاوز الحدود الجغرافية للدولة، بحيث يمكن لحكم قضائي واحد أن يؤثر في قرارات عشرات الآلاف من الأشخاص خارج الإقليم الوطني عندما يقترن بسرعة تداول المعلومات عبر المنصات الرقمية.
المغرب والهجرة… شراكة أمنية أم ورقة تفاوض؟
سرعة وصول هذا العدد الكبير من المهاجرين أثارت نقاشا واسعا داخل إسبانيا. ففي حين أكدت الحكومة المغربية استمرارها في مراقبة الحدود والتعاون مع مدريد، وحرصت الحكومة الإسبانية على الإشادة بالتنسيق الأمني القائم بين البلدين، طرحت وسائل إعلام وأوساط سياسية إسبانية تساؤلات حول كيفية تمكن هذا العدد الكبير من الوصول إلى الساحل في وقت قصير.
ومن أبرز هذه القراءات ما كتبه الصحفي الإسباني جوردي خوان في صحيفة لافانغوارديا، حيث اعتبر أن ما جرى يمثل رسالة سياسية تؤكد أن المغرب يمتلك قدرة كبيرة على التأثير في أحد أكثر الملفات حساسية بالنسبة لإسبانيا والاتحاد الأوروبي، وأن أمن الحدود الجنوبية الأوروبية يبقى مرتبطا بدرجة التعاون مع الرباط.
واستحضر الكاتب أزمة مايو 2021، عندما سمحت السلطات المغربية، وفق الرواية المتداولة في الأوساط السياسية الإسبانية آنذاك، بعبور آلاف الأشخاص إلى سبتة عقب استقبال مدريد لزعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي للعلاج، باعتبارها مثالا سابقا على استخدام ملف الهجرة في سياق الخلافات السياسية.
ومع ذلك، لا توجد حتى الآن نتائج تحقيقات رسمية تثبت أن السلطات المغربية اتخذت قرارا متعمدا بفتح الحدود في أزمة 2026، وهو ما يجعل هذه التفسيرات تندرج ضمن التحليلات السياسية أكثر من كونها وقائع مثبتة.
وخلال السنوات الأخيرة، أصبح المغرب أحد أهم شركاء الاتحاد الأوروبي في إدارة الحدود الخارجية، ويحصل على دعم مالي وتقني ولوجستي مقابل التعاون في مكافحة الهجرة غير النظامية وشبكات تهريب البشر.
ومن هذا المنطلق، يرى العديد من الباحثين أن أي تغير في مستوى التعاون المغربي الأوروبي ينعكس مباشرة على أمن الحدود الجنوبية للاتحاد الأوروبي، وهو ما يمنح الرباط هامشا تفاوضيا واسعا في ملفات تتجاوز الهجرة لتشمل الأمن والطاقة والتعاون الاقتصادي والسياسي.
كما أظهرت أزمة سبتة هشاشة المنظومة الأوروبية أمام التحركات البشرية المفاجئة، وأكدت أن الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي أصبحت مرتبطة بصورة متزايدة باستقرار العلاقات مع دول العبور.
من أزمة حدود إلى صراع روايات
ومع اتساع الأزمة، لم يقتصر النقاش على الأسباب القانونية أو الأمنية، بل امتد إلى تفسيرات ذات أبعاد جيوسياسية.
فقد نشرت صحيفة عالم العمال (Mundo Obrero)، التابعة للحزب الشيوعي الإسباني، مقالا للسياسي الإسباني إنريكي سانتياغو روميرو، اعتبر فيه أن السلطات المغربية سمحت فعليا بمرور عشرات الآلاف من الأشخاص إلى سبتة، وأن هذه الخطوة جاءت في إطار ممارسة ضغوط سياسية على الحكومة الإسبانية، على غرار ما حدث في أزمة عام 2021.
ويذهب المقال إلى أبعد من ذلك، إذ يربط بين هذه الضغوط وبين شبكة من التحالفات الإقليمية والدولية، مشيرا إلى أن المغرب يعد حليفا وثيقا لكل من الولايات المتحدة وإسرائيل، وأن هاتين الدولتين تختلفان مع الحكومة الإسبانية بشأن عدد من الملفات، من بينها الموقف من الحرب على غزة، والسياسة الدفاعية، وبعض القضايا المتعلقة بالوجود العسكري الأمريكي في إسبانيا.
كما يشير المقال إلى أن إسرائيل تقدم دعما عسكريا وتقنيا للمغرب، ويرى روميرو أن هذا التحالف يمنح الأزمة بعدا جيوسياسيا يتجاوز الإطار الثنائي بين الرباط ومدريد.
وفي السياق نفسه، تداولت وسائل إعلام عربية، من بينها وكالة معا، تقارير نقلت عن مصادر إعلامية إسبانية مزاعم تفيد بأن إسرائيل والولايات المتحدة تقفان وراء استخدام ورقة الهجرة عبر المغرب للضغط على الحكومة الإسبانية بسبب مواقفها المنتقدة للحرب في غزة ودفاعها عن الحقوق الفلسطينية.
غير أن هذه الطروحات، رغم حضورها في السجال السياسي والإعلامي، لا تستند حتى الآن إلى تحقيقات رسمية أو أدلة موثقة تثبت وجود دور مباشر لإسرائيل أو الولايات المتحدة في إدارة أو تحريك موجات الهجرة نحو سبتة، وهو ما يفرض التعامل معها باعتبارها فرضيات وتحليلات سياسية لا حقائق مثبتة.
مصالح إسرائيل في استقرار أو توتير العلاقات المغربية–الإسبانية: بين الوقائع والفرضيات
أثارت أزمة سبتة تساؤلات تتجاوز العلاقات الثنائية بين المغرب وإسبانيا، لتلامس شبكة أوسع من المصالح الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها المصالح الإسرائيلية في غرب البحر المتوسط. فمنذ توقيع اتفاقات التطبيع بين المغرب وإسرائيل عام 2020، شهدت العلاقات بين الطرفين توسعا ملحوظا في مجالات التعاون العسكري والأمني والاستخباراتي والتكنولوجي، بما في ذلك صفقات تسليح، وأنظمة مراقبة، وتعاون في الصناعات الدفاعية. وفي المقابل، دخلت العلاقات الإسبانية–الإسرائيلية مرحلة أكثر توترا منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة، خاصة بعد اعتراف الحكومة الإسبانية بدولة فلسطين، وتبنيها مواقف سياسية وقانونية أكثر انتقادا للسياسات الإسرائيلية.
وفي ضوء هذا التباين، ظهرت في بعض الأوساط السياسية والإعلامية فرضية مفادها أن أي توتر في العلاقات المغربية–الإسبانية قد يحقق بصورة غير مباشرة مصالح أطراف ترى في إضعاف الموقف الإسباني أو زيادة الضغوط الداخلية على حكومته مكسبا سياسيا. ويستند أصحاب هذا الطرح إلى التقارب الإستراتيجي المتنامي بين الرباط وتل أبيب، وإلى ما يعتبرونه تلاقيا في بعض المصالح مع قوى دولية أخرى.
ومن بين الأصوات التي تبنت هذا التفسير، السياسي الإسباني إنريكي سانتياغو روميرو، الذي كتب في صحيفة “عالم العمال” التابعة للحزب الشيوعي الإسباني أن المغرب، بوصفه حليفا للولايات المتحدة وإسرائيل، استخدم ورقة الهجرة للضغط على الحكومة الإسبانية، في ظل خلافات تتعلق بمواقف مدريد من الحرب على غزة ومن بعض الملفات الدفاعية والدولية. كما ذهب الكاتب إلى أن بعض قوى اليمين المتطرف الإسباني والأوروبي استفادت من الأزمة وسعت إلى توظيفها سياسيا لإضعاف الحكومة الائتلافية.
إلا أن هذه القراءة تمثل موقفا سياسيا وتحليلا حزبيا، وليست نتيجة تحقيق قضائي أو استخباراتي. وحتى الآن، لا توجد أدلة منشورة أو وثائق رسمية تثبت وجود تنسيق مباشر بين إسرائيل أو الولايات المتحدة أو أي أطراف خارجية في تحريك موجة الهجرة نحو سبتة أو استخدامها أداة للضغط على إسبانيا بسبب مواقفها من القضية الفلسطينية.
وفي المقابل، يبدو أن الأهمية الحقيقية لهذه الفرضيات لا تكمن في إثباتها أو نفيها فحسب، بل في كونها تعكس إدراكا متزايدا بأن الهجرة أصبحت جزءا من أدوات المنافسة الجيوسياسية، وأنها قد يتم استثمارها أو النظر إليها على الأقل، باعتبارها وسيلة للتأثير في مواقف الدول وإعادة تشكيل موازين القوة الإقليمية. ومن ثم، فإن أي تقييم موضوعي لهذه الفرضيات يظل مرهونا بظهور أدلة موثقة أو نتائج تحقيقات مستقلة، مع ضرورة الفصل بين التحليل السياسي والوقائع المثبتة.
اليمين المتطرف… مستفيد سياسي من الأزمة
في مقابل ذلك، يسلط مقال إنريكي سانتياغو الضوء على بعد آخر للأزمة يتمثل في توظيفها داخل الساحة السياسية الإسبانية.
فبحسب الكاتب، استغلت أحزاب اليمين واليمين المتطرف، وعلى رأسها حزب الشعب وحزب فوكس، موجة الهجرة لتصعيد خطابها المناهض للمهاجرين، وربط الأزمة بسياسات الحكومة الإسبانية، في محاولة لإضعاف الائتلاف الحاكم.
ويذهب المقال إلى أن بعض قوى اليمين المتطرف الأوروبي سعت إلى استثمار الأزمة سياسيا، محذرا من أن تصاعد الخطاب التحريضي قد يقود إلى أعمال عنف ضد المهاجرين، ومؤكدا أن مواجهة الأزمة يجب أن تستند إلى احترام القانون الدولي وضمان حقوق الإنسان، بعيدا عن الخطابات الشعبوية.
خاتمة
تكشف أزمة سبتة عن تداخل ثلاث مقاربات رئيسية لتفسير ما حدث.
الأولى، وهي الأكثر استنادا إلى الوقائع الموثقة، ترى أن الأزمة نتجت عن تفاعل قرار المحكمة العليا الإسبانية مع الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في المغرب، إضافة إلى الانتشار السريع للمعلومات عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
أما الثانية، فتعتبر أن المغرب استخدم الهجرة كورقة ضغط لإعادة التأكيد على أهميته كشريك لا غنى عنه في حماية الحدود الجنوبية للاتحاد الأوروبي وتعزيز موقعه التفاوضي مع مدريد وبروكسل.
في حين تذهب الرواية الثالثة إلى أن الأزمة جاءت في إطار صراع جيوسياسي أوسع، يتداخل فيه التحالف المغربي مع الولايات المتحدة وإسرائيل، واستثمار بعض قوى اليمين المتطرف للأزمة، والضغوط المرتبطة بمواقف الحكومة الإسبانية من الحرب في غزة.
وتكشف أزمة سبتة أن الهجرة غير النظامية لم تعد مجرد تحد إنساني أو أمني، بل أصبحت أحد أكثر الملفات قدرة على التأثير في العلاقات الدولية. وقد تحولت الحدود الجنوبية للاتحاد الأوروبي إلى مساحة تتقاطع فيها اعتبارات القانون والهجرة والأمن والجغرافيا السياسية، وأصبحت إدارة تدفقات البشر جزءا من موازين القوة بين الدول.
كما تظهر الأزمة أن السرديات المتنافسة حول أسبابها تعكس الانقسامات السياسية داخل إسبانيا نفسها، كما تعكس اختلاف القراءات لدور المغرب وشركائه الإقليميين والدوليين. وبينما تستند بعض التفسيرات إلى معطيات قانونية وسياسية موثقة، تظل تفسيرات أخرى بحاجة إلى أدلة وتحقيقات مستقلة قبل اعتمادها بوصفها استنتاجات نهائية.
ويبقى الدرس الأبرز الذي تفرضه أزمة سبتة هو أن الهجرة أصبحت اليوم، إلى جانب كونها قضية إنسانية، إحدى أدوات التأثير في الصراعات الجيوسياسية، وهو ما يفرض على الباحثين وصناع القرار التعامل معها بمنهجية تستند إلى الوقائع الموثقة، مع التمييز بين الحقائق والفرضيات في بيئة سياسية وإعلامية تتسم بتعدد الروايات وتضارب المصالح.
كما أن ما كشفت عنه أزمة سبتة يبرز أيضا الأثر المتزايد للمعلومات المضللة والمعلومات غير الدقيقة في الفضاء الرقمي العابر للحدود، حيث يمكن لرواية غير موثقة، أو تفسير مجتزأ لقرار قانوني، أو محتوى واسع الانتشار على منصات التواصل الاجتماعي، أن يصل إلى مئات الآلاف من الأشخاص خلال ساعات قليلة، وأن يؤثر في قراراتهم وسلوكهم بصورة مباشرة. وتؤكد هذه الظاهرة أن البيئة الرقمية لم تعد مجرد وسيلة لنقل المعلومات، بل أصبحت عاملا مؤثرا في تشكيل الأحداث وتسريع وتيرتها، بما قد يؤدي إلى تحركات جماعية مفاجئة، وإرباك المؤسسات، وتعقيد إدارة الأزمات. وفي ظل هذا الواقع، باتت مواجهة المعلومات المضللة والتحقق من صحة المحتوى المتداول عنصرا أساسيا في حماية الأمن المجتمعي والاستقرار، خصوصا في القضايا العابرة للحدود، مثل الهجرة والنزاعات والأزمات الإنسانية، حيث يمكن أن تتحول رواية رقمية تنتشر بسرعة فائقة إلى عامل يغير مجرى الأحداث ويؤثر في الإستقرار المحلي والإقليمي.