“العدالة ليست خصما للمشروع الوطني… بل أحد شروط بقائه”
“حين يعجز الفقير عن شراء رغيفه، فالقضية ليست اقتصادية فقط… بل سؤالٌ عن العدالة”
هناك أسئلة لا تولد في مراكز الأبحاث، ولا تكتب في التقارير الرسمية، بل تنبع من وجع الناس، وتتشكل في تفاصيل حياتهم اليومية.
إنها أسئلة أمّ فلسطينية تقف أمام بائع الخبز، تحسب ما تبقى في جيبها قبل أن تقرر ماذا ستشتري، وما الذي ستؤجله إلى يوم آخر.
وأسئلة أبٍ يخرج كل صباح باحثا عن عمل يصون كرامته، ثم يعود في المساء مثقلا بخيبة الانتظار.
وأسئلة شابٍ أمضى سنوات عمره في الدراسة، مؤمنا بأن العلم هو طريق المستقبل، ليكتشف أن الشهادة وحدها لا تفتح الأبواب دائما، وأن الكفاءة لا تكون، في كل الأحوال، مفتاح الفرصة.
ومن بين كل تلك الأسئلة، يبرز سؤال واحد يختصر وجعا واسعا:
كيف أصبح الرغيف، الذي كان رمزا للبقاء والصمود، حلما صعبا على كثير من أبناء شعبنا الفلسطيني؟
هذا السؤال لا يتعلق بالفقر وحده.
فالفقر موجود في معظم المجتمعات، وتختلف أسبابه وحدّته من مكان إلى آخر. لكن الخطر الحقيقي يبدأ عندما يشعر الإنسان أن الفقر لم يعد مجرد نتيجة لظروف قاهرة، بل أصبح واقعا يتكرر، ويتسع، ويستدعي مراجعة صادقة لأسبابه.
ومن هنا جاء عنوان هذا المقال:
من سرق رغيف الفقير الفلسطيني؟
قد لا يكون أحد قد انتزع الرغيف من يد الفقير حرفيا، لكن حين تضيق فرص العمل، وتتراجع القدرة على الإنتاج، وتتسع الفجوة بين من يملكون النفوذ ومن لا يملكونه، يصبح الرغيف نفسه ضحية منظومة تحتاج إلى مراجعة.
لذلك، فإن كلمة “سرق” في هذا العنوان ليست اتهاما موجها إلى شخص بعينه، ولا حكما مسبقا على أحد، وإنما تعبير عن نتيجة مؤلمة يعيشها الناس، ودعوة لطرح سؤال وطني يستحق أن يناقش بجرأة ومسؤولية.
لا يمكن لأي حديث جاد عن الواقع الاقتصادي الفلسطيني أن يتجاهل الحقيقة الأكبر:
الاحتلال الإسرائيلي هو العامل الأساسي في إضعاف الاقتصاد الفلسطيني.
لقد صادر الأرض، وأحكم السيطرة على الموارد الطبيعية، وفرض قيودا على الحركة والتجارة والاستثمار، وقسّم الجغرافيا الفلسطينية، وحاصر إمكانات التنمية، حتى أصبح الاقتصاد الفلسطيني يعمل في مساحة ضيقة، محكومة بقيود لا يفرضها السوق، بل يفرضها الاحتلال.
هذه ليست رواية سياسية، بل حقيقة تؤكدها الوقائع والتقارير الدولية.
ولا يجوز لأي قراءة منصفة أن تغفل أن شعبنا ما زال يخوض معركة تحرر وطني، وأن الاحتلال يتحمل المسؤولية الأكبر عن تشويه بنية الاقتصاد الفلسطيني وإضعاف قدرته على النمو والاستقلال.
لكن الحقيقة، مهما كانت واضحة، لا تكتمل إذا اكتفينا بالنظر إلى جانب واحد منها.
فالاحتلال يفسر جزءا كبيرا من أزمتنا، لكنه لا يعفينا من مسؤولية مراجعة تجربتنا، ولا يمنعنا من مساءلة أنفسنا.
ومن هنا يبرز السؤال الذي لا يقل أهمية:
كيف تصرفنا في إدارة ما كان متاحا لنا من مؤسسات وموارد وإمكانات؟
وكيف بنينا تجربتنا السياسية والاقتصادية؟
وهل نجحنا في حماية المال العام بوصفه مالا للشعب كله، وليس ملكا لمن يتولى إدارته؟
وهل كانت الفرص متاحة لجميع ابناء شعبنا على قدم المساواة، أم أن بعض الأبواب كانت تفتح لأشخاص أكثر من غيرهم؟
هذه الأسئلة لا تنتقص من عدالة قضيتنا، ولا تخدم الاحتلال.
بل على العكس، فإن المشروع الوطني يزداد قوة عندما يمتلك الشجاعة الكافية لمراجعة ذاته، وتصحيح أخطائه، وتعزيز ثقة الناس به.
فالنقد المسؤول ليس خروجا على المشروع الوطني، بل أحد شروط بقائه حيا، وقادرا على التطور.
حين يتسع الفقر… وتتسع معه الأسئلة
لقد تحمل شعبنا الفلسطيني، على امتداد عقود طويلة، أثمانا باهظة دفاعا عن أرضهم وحقوقهم الوطنية.
دفعوا ثمن الاحتلال، والاستيطان، والحصار، والتهجير، ومصادرة الأرض، والسيطرة على الموارد، والانقسام السياسي، والحروب المتكررة.
وكان طبيعيا أن ينعكس كل ذلك على الاقتصاد، وأن يدفع المواطن الفلسطيني الجزء الأكبر من الكلفة.
لكن، ورغم كل هذه الحقائق، يبقى هناك سؤال لا يمكن تجاهله:
كيف يمكن لمجتمع تتسع فيه دائرة الفقر عاما بعد عام، أن يشهد في الوقت نفسه تضخما لافتا في ثروات بعض أصحاب النفوذ أو القريبين من دوائر القرار؟
هذا السؤال ليس حكما على أحد.
وليس إدانة لكل من نجح أو استثمر أو كوّن ثروة.
فالنجاح الاقتصادي ليس جريمة، والثروة التي تأتي من العمل والإنتاج والاستثمار المشروع هي مصدر قوة لأي مجتمع يسعى إلى النهوض.
لكن المجتمعات لا تقاس فقط بعدد الأثرياء فيها، بل بقدرتها على توفير فرصة عادلة لكل مواطن.
وحين يشعر الناس أن الطريق إلى النجاح لم يعد يمر دائما عبر الكفاءة والعمل والاجتهاد، وإنما قد يتأثر بالنفوذ أو العلاقات أو الامتيازات، فإن المشكلة لا تعود في وجود الثروة، بل في غياب الثقة بعدالة الوصول إليها.
ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي:
كيف تكونت هذه الثروات؟
وهل كان يمكن أن تتكون بالوتيرة نفسها لو لم يقترن المال، في بعض الحالات، بالنفوذ أو بالقرب من مراكز القرار؟
إن هذا السؤال ليس موجها ضد أشخاص، وإنما ضد أي بيئة تسمح بتداخل السلطة مع المصالح الاقتصادية، أو تجعل المواطن يشعر بأن الفرص ليست متكافئة.
فالمشكلة ليست في أن ينجح البعض…
بل في أن يفقد الآخرون إيمانهم بأن النجاح متاح لهم أيضا.
الذمة المالية… حماية للمسؤول قبل أن تكون رقابة عليه
في المجتمعات التي تحترم نفسها، لا يُنظر إلى الإفصاح عن الذمة المالية باعتباره إساءة للمسؤول، ولا باعتباره تشكيكا في نزاهته.
بل يُنظر إليه باعتباره حماية له، وتعزيزا لثقة الناس بالمؤسسات.
فالذمة المالية للمسؤول ليست شأنا شخصيا خالصا، لأن المسؤولية العامة تمنح صاحبها سلطة وتأثيرا في القرار والموارد والفرص.
ولهذا، فإن من حق المجتمع أن يطمئن إلى أن المال العام يُدار وفق القانون، وأن المنصب العام لا يتحول إلى وسيلة لتحقيق مكاسب خاصة.
ومن هنا تأتي أهمية السؤال المعروف في النظم الديمقراطية:
“من أين لك هذا؟”
ليس بوصفه شعارا للمطاردة أو التشهير، وإنما باعتباره مبدأ يقوم على الشفافية، ومنع تضارب المصالح، وحماية المال العام، وصون ثقة المواطنين.
فالمسؤول النزيه لا يخشى الإفصاح عن ذمته المالية.
بل يدرك أن الشفافية هي التي تحمي سمعته، وتحصّن موقعه، وتعزز ثقة الناس به.
وكلما اتسعت مساحة الشفافية، ضاقت مساحة الشك، واتسعت مساحة الثقة.
الاقتصاد ليس أرقاما… بل كرامة إنسان
تؤكد البيانات الرسمية أن الأزمة الاقتصادية الفلسطينية بلغت مستويات مقلقة، مع ارتفاع معدلات البطالة واتساع دائرة الفقر وتراجع القدرة الشرائية، خاصة في ظل العدوان على قطاع غزة وما خلّفه من آثار كارثية على الاقتصاد والمجتمع.
لكن الأرقام، مهما بلغت دقتها، لا تستطيع أن تنقل وجع الناس كما تنقله حياتهم اليومية.
فخلف كل عاطل عن العمل أسرة تنتظر.
وخلف كل شاب يفكر بالهجرة حلم يتراجع.
وخلف كل أب يعجز عن تأمين احتياجات أطفاله قصة لا تُكتب في تقارير الإحصاء.
فالاقتصاد الحقيقي لا يُقاس فقط بحجم الناتج المحلي، ولا بعدد الشركات، ولا بحجم الاستثمارات.
بل يُقاس بقدرة الإنسان العادي على أن يشعر بأن جهده يمكن أن يغير حياته، وأن باب النجاح مفتوح أمامه كما هو مفتوح أمام غيره.
فالاحتلال قد يحاصر الأرض…
لكن غياب العدالة يحاصر الإنسان من الداخل.
وهذه معركة لا يجوز أن نخسرها، لأنها تمس جوهر الثقة التي يقوم عليها أي مشروع وطني.
العدالة… شرط من شروط الصمود الوطني
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي شعب ليس الفقر وحده.
فالشعوب تستطيع أن تتحمل الفقر، وأن تصبر على الحصار، وأن تواجه الاحتلال، إذا بقيت تؤمن بأن العدالة ممكنة، وأن المستقبل يستحق التضحية.
لكن الخطر الحقيقي يبدأ عندما تتآكل الثقة.
حين يشعر المواطن أن الواسطة أقوى من الكفاءة.
وأن النفوذ أقوى من القانون.
وأن الفرصة لا تمنح دائما لمن يستحقها، بل قد تمنح لمن يملك القرب من مراكز القوة.
عندها لا نخسر المال فقط…
بل نخسر الإيمان بأن العدالة ما زالت ممكنة.
وهذه خسارة لا تقل خطورة عن أي خسارة اقتصادية.
إن مواجهة الاحتلال ستبقى الأولوية الوطنية الكبرى، ولا يمكن لأي فلسطيني أن يساوي بين الجلاد والضحية، أو أن يغفل أن الاحتلال هو أصل المأساة ومصدرها الأول.
لكن هذه الحقيقة لا تعني أن نعفي أنفسنا من مسؤولية بناء تجربة وطنية أكثر نزاهة وعدلا وكفاءة.
فالمشروع الوطني لا يضعف حين يراجع أخطاءه.
بل يزداد قوة.
ولا يفقد شرعيته حين يفتح باب المساءلة.
بل يكتسب احترام الناس وثقتهم.
فالنقد المسؤول ليس خروجا على المشروع الوطني، وإنما دفاع عنه، وحرص على أن يبقى معبرا عن تطلعات شعبه، وجديرا بالتضحيات التي قُدمت من أجله.
إننا لا نحتاج إلى محاكمات شعبية.
ولا إلى حملات تشهير.
ولا إلى إطلاق الاتهامات جزافا.
لكننا، في المقابل، نحتاج إلى ثقافة جديدة تقوم على الشفافية، والإفصاح، والمساءلة، وسيادة القانون.
نحتاج إلى مؤسسات وطنية تكون قوتها في ثقة الناس بها، وليس في صمتهم عنها.
ونحتاج إلى إدارة للشأن العام ترى في المنصب تكليفا وليس تشريفا، ومسؤولية وليس امتيازا، وخدمة للناس وليس بابا للمكاسب الخاصة.
فإن صلحت الإدارة، واتسعت مساحة العدالة، واستعادت المؤسسات ثقة الناس، أصبح مجتمعنا أكثر قدرة على الصمود، وأكثر منعة في مواجهة الاحتلال، وأكثر استعدادا لبناء مستقبله.
إن الشعوب لا تخسر حين تواجه أخطاءها.
بل تخسر حين تعتادها.
وحين تبررها.
وحين يصبح الصمت عنها فضيلة، والكلام فيها تهمة.
ويبقى السؤال الذي بدأ به هذا المقال:
من سرق رغيف الفقير الفلسطيني؟
وربما يكون السؤال الأعمق:
كيف نحمي ما تبقى من ثقة الإنسان الفلسطيني بوطنه، وبمشروعه الوطني، وبحقه في حياة كريمة؟
فقد تختلف الإجابات، وقد تتباين وجهات النظر، لكن أحدا لا يستطيع أن يختلف على أن هذا الشعب، الذي قدّم من التضحيات ما لم يقدمه كثير من شعوب العالم، يستحق أن يعيش بكرامة، وأن يشعر بأن العدالة ليست شعارا، بل ممارسة، وأن الفرصة ليست امتيازا، بل حق.
فالحرية التي نناضل من أجلها ليست مجرد تحرير للأرض.
إنها أيضا تحرير للإنسان من الخوف، ومن الحاجة، ومن الظلم، ومن الشعور بأن القانون لا يحمي الجميع بالقدر نفسه.
ولذلك، فإن العدالة ليست ترفا سياسيا، ولا مطلبا اقتصاديا عابرا.
إنها أحد أعمدة الصمود الوطني.
والضمانة الحقيقية لبقاء الثقة بين الشعب ومؤسساته.
والطريق الذي يجعل الحرية، عندما تتحقق، أكثر رسوخا، وأكثر قدرة على صناعة مستقبل يليق بتضحيات شعبنا.