جاري التحميل...

من قال إن السعودية ستبيع فلسطين بـ نووي ترامب

السياسي – لقد ظهر وكأن واشنطن تسمع صدى الارتياح الذي ساد في “تل أبيب” بعد إعلان ترامب اشتراط الاتفاق النووي مع السعودية بالتطبيع مع إسرائيل. ظاهرياً، كان إنجازاً دبلوماسياً لإسرائيل، التي تمكنت من إدراج التطبيع على جدول الأعمال في اللحظة الأخيرة. ولكن التطبيع يأتي بثمن لا ترغب إسرائيل في دفعه، وفي الوقت نفسه، لم تصدر السعودية، الدولة المستضيفة، أي بيان بهذا الشأن، ولم تؤكد إدراج هذا الشرط في نص الاتفاق الموقع بين الطرفين

من هنا لا يمكننا إلا دراسة الاحتمالات التي تواجه تنفيذ الاتفاق. السعودية لا تعارض من حيث المبدأ التطبيع مع إسرائيل، وقد أوضحت ذلك جلياً حتى قبل حرب غزة. عندما اتفقت مع الرئيس الأمريكي في حينه جو بايدن على استعدادها للتطبيع بشرط أن تتخذ إسرائيل خطوات “لتحسين ظروف عيش الفلسطينيين”، وهذا طلب معقول لا يلزم إسرائيل باتخاذ خطوات ملموسة، ولكن حرب غزة قلبت الموازين.

عمليات القتل والدمار الهائلة التي ألحقتها إسرائيل بالقطاع أشعلت ضغطاً شعبياً عربياً قوياً، وفي غضون أسبوع من اندلاع الحرب، أعلنت وزارة خارجية السعودية وقف المفاوضات مع الإدارة الأمريكية بشأن التطبيع. وبعد سنة، تمت صياغة موقف السعودية بوضوح ودقة؛ فقد أعلن ولي عهد السعودية والحاكم الفعلي محمد بن سلمان، في اجتماع مع مجلس الشورى السعودي: “ستواصل المملكة العمل بجدية من أجل إقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية. ولن تقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل دون تحقيق هذا الشرط”.

بينما تم تأجيل مسألة التطبيع، بقي البرنامج النووي السعودي موضوع نقاش بين إدارة بايدن وبعد ذلك إدارة ترامب. في تشرين الثاني الماضي، وقعت الولايات المتحدة والسعودية على “إعلان مشترك لاستكمال التعاون النووي المدني”، وتم التوقيع على الاتفاق في أيار الماضي دون إثارة موضوع التطبيع من جديد.

السعودية، التي عملت مع فرنسا على تعزيز الاعتراف بالدولة الفلسطينية في الجمعية العمومية للأمم المتحدة، لم تغير موقفها منذ ذلك الحين، ولم يعرف حتى الآن إذا كانت قد وافقت على الشرط الذي وضعه الرئيس ترامب أمس. ظاهرياً، يعتبر هذا شرط ضروري، وعدم الوفاء به قد يعيق عملية الموافقة على الاتفاق، الذي يحتاج أيضاً إلى موافقة الكونغرس. مع ذلك، لا يخفى على أحد أن الخطة المكونة من 20 بنداً، التي قدمها ترامب في أيلول 2025 كأساس لإنهاء الحرب في غزة، تشمل بند يتحدث عن إمكانية إقامة الدولة الفلسطينية.

بينما يتقدم تطوير غزة، وإذا تم تنفيذ خطة الإصلاح التي وضعتها السلطة الفلسطينية، فيمكن أن تتهيأ الظروف المطلوبة لمسار موثوق نحو تقرير المصير وإقامة دولة فلسطينية، وهو ما نعترف به كتطلع للشعب الفلسطيني. وستجري الولايات المتحدة حواراً بين إسرائيل والفلسطينيين للاتفاق على أفق سياسي للتعايش السلمي والمزدهر. هذا ما جاء في الفقرتين الأخيرتين. لم يتحقق أي تقدم حقيقي في تنفيذ الخطة حتى الآن، وما زالت الإصلاحات في السلطة الفلسطينية بعيدة عن التنفيذ. ولكن مبدأ الاعتراف بالتطلع المشروع للفلسطينيين إلى دولة مستقلة منصوص عليه بوضوح في الوثيقة. ويمكن أن يمهد الاتفاق النووي مع السعودية – والمصلحة المشتركة للدولتين في تحقيقه – الطريق أمام نقاش جوهري، بتشجيع أمريكي، حول مسألة حل الدولتين.

من وجهة نظر واشنطن، يعتبر الاتفاق النووي مع السعودية مهماً جداً، ليس فقط لما يوفره من عشرات مليارات الدولارات للشركات الأمريكية التي ستحظى بحقوق حصرية في بناء مفاعلات الطاقة النووية وتطوير البرنامج النووي المدني في المملكة، بل أيضاً لأنه سيبعد إذا تمت الموافقة عليه، دول غربية مثل فرنسا وألمانيا وكوريا الجنوبية، عن المنافسة على المجال النووي السعودي. ويتوقع أيضاً أن يبقي هذا الاتفاق الصين، التي وقعت على مذكرة تفاهم مع السعودية في العام 2022 لتطوير برنامج نووي، خارج الصورة لفترة طويلة.

سيكون لهذا الأمر تداعيات كبيرة على قدرة السعودية على تنويع علاقاتها ليس فقط مع الولايات المتحدة وعرض خيارات بديلة واتباع سياسة خارجية لا تعتمد كلياً على الإدارة الأمريكية، ليس فقط خلال فترة ولاية ترامب، بل أيضاً في ظل الإدارات الأمريكية في المستقبل. بالنسبة للسعودية، يمثل هذا الاتفاق عند تنفيذه واستكمال بناء المفاعل النووي، فرصة لتوفير كمية كبيرة من النفط والغاز التي تستخدمها السعودية حالياً للاستهلاك المحلي وتصديرها.

إلى جانب الفائدة الاقتصادية الكبيرة التي لن تتحقق إلا بعد 10 – 15 سنة، يرسخ الاتفاق أسس حلف الدفاع بين السعودية وأمريكا، الذي حتى لو لم يوقع رسمياً، سيلزم الولايات المتحدة بانخراط أكبر في الدفاع عن السعودية، سواء بشكل مباشر أو من خلال زيادة كبيرة للدعم العسكري الذي ستقدمه، والذي قد يشمل، ضمن أمور أخرى، بيع طائرات “اف35” وتقنية عسكرية متقدمة. وفي الوقت نفسه، يتوقع أن يمنح نطاق العلاقة الاقتصادية والاعتماد العسكري بين الدولتين، السعودية نفوذاً لدى الحكومة الأمريكية، بما سيؤثر على السياسة الأمريكية في المنطقة في العقود القادمة.

حسب ما هو معروف حتى الآن، فإن السعودية، وهي دولة موقعة على اتفاق عدم انتشار السلاح النووي، غير ملزمة بالتوقيع على البروتوكول الإضافي الذي يشمل آليات رقابة دقيقة جداً. واستناداً إلى فحص مشترك سيسمح لها بتخصيب اليورانيوم على أراضيها، وهو تصريح لم يعط في السابق للدول الموقعة على اتفاق تعاون نووي مع الولايات المتحدة، وكذلك تسويق اليورانيوم والوقود النووي لعملاء في الخارج.

تسفي برئيل

هآرتس 24/7/2026