جاري التحميل...

من كسر خاطر فتح؟

بقلم شادي عياد

يا أبناء فتح…
يا من حملتم ذات يوم اسم حركةٍ لم تكن مجرد تنظيم، بل كانت حكاية وطن، وذاكرة شعب، ورايةً دفعت أثمانًا لا تُحصى حتى صار لفلسطين عنوانٌ ومكانٌ وصوت.

هذا المقال ليس خصومةً مع فتح، بل عتابٌ على فتح.
وليس عتابًا على تاريخها، بل على حاضرٍ لا يشبه تاريخها.

نحن اليوم أمام سؤالٍ موجع، لا يجوز أن نهرب منه:

كيف وصلنا إلى هنا؟

كيف انتقلنا من حركةٍ صنعت مجدًا لفلسطين، إلى واقعٍ يشعر فيه ابن فتح أن ظهره مكشوف وأن صوته مكسور وأن المشهد من حوله يُرسم أحيانًا وكأن فتح هي المتهم، وهي التي عليها أن تدافع عن وجودها، رغم أنها كانت في يوم من الأيام عنوان المشروع الوطني الفلسطيني؟

من الذي أوصلنا إلى هذه الزاوية؟

ومن الذي كسر خاطر أبناء فتح؟

ومن الذي جعل الحركة التي دفعت الدم والسجن والنفي والمطاردة والعمر، تقف اليوم في مواجهة واقعٍ سياسي واجتماعي قاسٍ، وكأنها مطالبة بالاعتذار عن تاريخها؟

هذه ليست مأساة فتح وحدها… هذه مأساة وطن.

الأشد وجعًا أن أبناء فتح وجدوا أنفسهم أمام تحالفات غريبة في السياسة والمصالح، تحالفات تجمع أحيانًا بين قوى “دينية” متطرفة و متشددة، وقوى يسارية ليس لها وجود عبر التاريخ، وأصوات لا يجمع بينها شيء إلا الخصومة مع فتح، أو الرغبة في اقتسام ما تبقى من المشهد.

يا لها من مفارقة!

أن تتجاور مشاريع لا تلتقي في الفكر ولا في العقيدة ولا في الرؤية، ثم تلتقي فجأة عند نقطة واحدة:

إسقاط فتح.

وليس المقصود هنا أن فتح فوق النقد، أو أن أبناءها ملائكة.

لا.

في فتح أخطاء، وفي فتح من أخطأ، وفي فتح من أساء، وفي فتح من استفاد من موقعه أكثر مما خدم شعبه.

لكن المصيبة أن يتحول الخطأ الفردي إلى تهمة لتاريخ كامل، وأن تتحول أخطاء بعض الأشخاص إلى فاتورة يدفعها ملايين الفلسطينيين، وأن تصبح مصالح بعض أصحاب النفسيات المشوهة أقوى من مصلحة حركةٍ صنعت لهذا الشعب مكانًا تحت الشمس.

نحن لا ندافع عن الفاشلين.

ولا ندافع عن الفاسدين.

ولا ندافع عن المتسلقين.

ولا ندافع عن الذين جعلوا الكرسي وطنًا، والوطن كرسيًا.

بل على العكس تمامًا.

نحن نقولها بأعلى صوت:

من أوصل فتح إلى هذا الواقع لا يمثل فتح.

ومن جعل مصلحته فوق مصلحة الحركة لا يمثل فتح.

ومن ظن أن فتح ملكٌ شخصي له ولأصدقائه وأقاربه ومريديه، فقد أخطأ العنوان.

فتح ليست شركة.

وليست إرثًا عائليًا.

وليست مجموعة كراسي.

فتح ذاكرة شعب.

فتح شهداء وأسرى وجرحى.

فتح ياسر عرفات، وأبو جهاد، وأبو إياد، وكل أولئك الذين لم يكن لديهم وقتٌ لحساب أرباحهم الشخصية، لأنهم كانوا منشغلين بحساب خسائر الوطن.

ولهذا، فإن العتاب اليوم ليس على فتح التي نعرفها.

العتاب على من اختطف صورة فتح من أعين أبنائها.

العتاب على من جعل المواطن يسمع باسم الحركة فيتذكر الخلاف بدل الإنجاز، والخصومة بدل المشروع، والمصلحة بدل التضحية.

العتاب على من جعل بعض أبناء الحركة يشعرون أن الولاء لم يعد يكفي، وأن الصدق أصبح عبئًا، وأن صاحب الموقف الصلب قد يجد نفسه خارج الصورة، بينما يتقدم صاحب الصوت العالي والقدرة على التلون.

وهنا أقول لهؤلاء جميعًا:

لا تراهنوا كثيرًا على صمت أبناء فتح.

فالصمت ليس موتًا.

والعتاب ليس هزيمة.

والحزن ليس استسلامًا.

أبناء فتح الأوفياء يعرفون جيدًا الفرق بين فتح التي أحبوا، وبين أولئك الذين استخدموا اسمها للوصول إلى مصالحهم.

وسيأتي اليوم الذي تقول فيه فتح لأبنائها قبل خصومها:

كفى.

كفى عبثًا.

كفى استغلالًا.

كفى اختباءً خلف التاريخ.

كفى استخدامًا للشهداء كشهادة براءة لأحياءٍ لم يقدموا شيئًا.

كفى تحويل الحركة إلى جائزة ترضية لهذا أو ذاك.

كفى الاعتقاد بأن عضوية فتح بطاقة مرور إلى الأبد.

ففتح التي صنعت المجد قادرة على أن تصنع التصحيح.

وفتح التي لفظت يومًا كل من باع القضية، قادرة على أن تلفظ كل من باع ثقة أبنائها.

وسيكون أبناء فتح الأوفياء هم أول من يقول:

لا نريد فتح التي ترضي الجميع… نريد فتح التي تحترم نفسها.

نريد فتح التي تعرف من أين جاءت ولماذا جاءت، وإلى أين يجب أن تذهب.

نريد فتح التي لا تخاف من النقد، ولا تخاف من الإصلاح، ولا تخاف من محاسبة المخطئ مهما كان اسمه.

نريد فتح التي لا تترك أبناءها الحقيقيين في العراء، ثم تتساءل لماذا يبحث الناس عن بدائل.

نريد فتح التي تجعل المواطن يشعر أن انتماءه إليها شرف، لا عبء.

وأقولها لمن أوصلونا إلى هذا الحال:

لا تظنوا أن أبناء فتح الأوفياء سيحملونكم إلى الأبد.

لن يفعلوا.

سيأتي يومٌ يُفرّق فيه أبناء الحركة بين فتح وبين من تاجر باسم فتح.

وسيُفرّقون بين من خدم الوطن، ومن خدم نفسه.

بين من حمل الراية، ومن احتمى بالراية.

بين من حافظ على الكرامة، ومن كسر خاطر الناس.

وبين من جاء ليبني، ومن جاء ليجلس.

وعندها لن يحتاج أبناء فتح إلى حمل السيوف.

يكفي أن يقولوا:

هذا منا… وهذا ليس منا.

وسيكون ذلك أعظم فرزٍ عرفته الحركة.

لأن فتح لا تحتاج إلى خصومٍ كي تسقط.

فتح تحتاج فقط إلى أن تستعيد أبناءها.

إلى أن تستعيد أخلاقها.

إلى أن تستعيد هيبتها.

إلى أن تستعيد ذلك المعنى العظيم الذي جعل الفلسطيني يومًا يقول:

أنا فتح.

لا خوفًا من أحد.

ولا طمعًا في منصب.

ولا انتظارًا لمصلحة.

بل فخرًا بتاريخٍ صنعه رجالٌ ونساءٌ لم يكن الوطن بالنسبة لهم وظيفة.

ولهذا، فإن رسالتي الأخيرة ليست لخصوم فتح.

بل لأبنائها:

لا تتركوا فتح لمن أساء إليها.

لا تسمحوا لمن أخطأ أن يختصر تاريخها.

ولا تسمحوا لمن فشل أن يختصر مستقبلها.

ولا تسمحوا لمن جعل من الحركة سلمًا لمصالحه أن يقنعكم بأن السلم هو الوطن.

فتح أكبر من الأشخاص.

وفلسطين أكبر من الجميع.

ومن أوصلنا إلى هذا الواقع المر، سيأتي اليوم الذي يلفظه فيه أبناء فتح الأوفياء من ذاكرة الحركة، لا انتقامًا منه، بل إنقاذًا لفتح من أن تتحول إلى نسخة لا تشبهها.

فإن كان هذا عتابًا، فهو عتاب المحب.

وإن كان هذا غضبًا، فهو غضب ابنٍ على أمه.

وإن كان هذا صراخًا، فهو صراخ من يرى البيت الذي أحبه يتعب، فيقول لأهله:

انتبهوا… قبل أن يصبح العتاب تاريخًا، ويصبح الإصلاح أمنية، ويصبح الذين كسروا خاطر فتح هم الذين يتحدثون باسمها.

أما فتح…

فلا أظنها ماتت.

فتح التي صنعت المجد تستطيع أن تستعيده.

لكنها تحتاج أن تسمع أبناءها.

وأن تعيد الاعتبار لمن حافظوا عليها في زمنٍ صار فيه الحفاظ على المبدأ أصعب من الوصول إلى الكرسي.

وعندها فقط…

سيعرف الجميع أن أبناء فتح الأوفياء لم ينسحبوا من فتح.

بل كانوا ينتظرون اليوم الذي تعود فيه فتح إليهم.