جاري التحميل...

نهاية العالم

إذا أردت أن ترى كيف تبدو نهاية العالم، فلا تنتظر نبوءة، ولا تبحث عن فيلم خيال علمي… انظر إلى فلسطين.
هناك، لم يعد الفلسطيني يعرف أين يعيش، ولا ممَّ يهرب، ولا إلى أين يأخذ أبناءه. أصبح الوطن كله ساحة مفتوحة للموت، والسماء لا تحمل إلا الخوف، والأرض لم تعد تمنح الأمان.
إلى أين يهرب الفلسطيني؟
أيهرب من الاحتلال الذي صادر أرضه، واقتلع أشجاره، وهدم بيته، وسلب حريته؟
أم يهرب من القصف الذي لا يميز بين رضيع وشيخ، بين مدرسة ومستشفى، بين مسجد وكنيسة، وبين خيمة نزوح ومنزل؟
أم يهرب من الجوع الذي أصبح سلاحًا، حتى بات الحصول على رغيف خبز أو جرعة ماء معركة يومية من أجل البقاء؟
وأينما اتجه، يجد الموت في انتظاره.
إن بقي في بيته، قُصف.
وإن نزح، لحقته النيران.
وإن بحث عن الطعام، خاطر بحياته.
وإن قصد المستشفى، وجد المرضى والأطباء والجرحى جميعًا تحت التهديد.
أما إذا وقع أسيرًا، فتبدأ رحلة أخرى من المعاناة؛ عزلة طويلة، وألم نفسي وجسدي، وحرمان من أبسط الحقوق الإنسانية، في واقع تصفه منظمات حقوقية ودولية بأنه يثير مخاوف جدية بشأن معاملة الأسرى.
أي عالم هذا الذي يطالب الضحية بالصبر، بينما يعجز عن وقف نزيف الدم؟
أي ضمير إنساني يقبل أن تتحول حياة شعب بأكمله إلى اختبار يومي للبقاء؟
لقد أصبح الفلسطيني يودع أبناءه كل صباح، ولا يعلم إن كان سيحتضنهم مساءً. أصبح يحسب أيامه بعدد من نجا، لا بعدد من عاش. وأصبحت الحياة نفسها فعل مقاومة، وأصبح البقاء على هذه الأرض بطولة لا يفهم معناها إلا من عاش تحت الاحتلال والحصار والخوف.
ومع ذلك، لم تنكسر إرادة الفلسطيني.
فكل بيت يُهدم يُولد من بين أنقاضه إصرار جديد، وكل شهيد يترك خلفه قصة شعب يرفض أن يُمحى، وكل طفل يحلم بوطن آمن يذكّر العالم بأن العدالة ليست شعارًا، بل حقًا يجب أن يُصان.
قد يظن البعض أن نهاية العالم هي زوال الأرض أو انطفاء الشمس، لكن النهاية الحقيقية تبدأ عندما يفقد العالم إنسانيته، ويصبح صمته أعلى من صرخات الأطفال، وعندما تُصبح المآسي المتكررة مشهدًا مألوفًا لا يحرّك الضمير.
ورغم كل هذا الظلام، يبقى الفلسطيني متمسكًا بحقه في الحياة والحرية والكرامة، مؤمنًا بأن العدالة قد تتأخر، لكنها تظل مطلبًا إنسانيًا لا يسقط بالتقادم، وأن الشعوب التي تدافع عن وجودها لا يمكن أن تُهزم مهما اشتدت المحن.