السياسي – تعريف معاداة السامية يشمل، مثلما وضعه معهد “يد واسم”، الذي أقرته الحكومة الإسرائيلية في القرار رقم 2315 في العام 2017 ما يلي:
الدعوة إلى قتل اليهود أو الإضرار بهم، والتحريض على هذه الأفعال أو تبريرها باسم أيديولوجيا متطرفة أو رأي ديني متطرف، وتوجيه اتهامات باطلة تجرد اليهود من الإنسانية، وتحميل اليهود، كشعب، مسؤولية أعمال شريرة، حقيقية أو متوهمة، ونفي حق الشعب اليهودي في تقرير مصيره.
منذ إقامة الدولة تغير وضعنا. لدينا دولة ذات سيادة واقعية تمكننا من التحكم بمصيرنا. مع ذلك، لا سيما في السنوات الأخيرة، نما بيننا الشعور بالاضطهاد، وساد الاعتقاد بأن أفعالنا تندرج ضمن حدود الأخلاق والعدالة، وأن الادعاءات الموجهة ضدنا تنبع من معاداة عمياء للسامية لا أساس لها من الصحة. ينطبق هذا النهج أيضاً على المجتمعات والدول التي كانت تظهر حتى فترة قريبة التعاطف مع دولة إسرائيل، التي أصبحت الآن تنتقدها، وأحياناً بشدة.
إذا تأملنا تعريف معاداة السامية المذكور آنفاً، واستبدلنا كلمة “اليهود” بكلمة “العرب”، فسنجد أننا اليوم، في دولة إسرائيل، نرتكب نفس الأفعال التي اتهمنا بها غير اليهود على مر الأجيال.
بإيحاء متعمد من سياسيين وقادة رأي في إسرائيل، بمن فيهم حاخامات وأعضاء في المؤسسة الأمنية، تدفعهم الأيديولوجيا المسيحانية والشعور بالتفوق، يجري تجريد العرب من إنسانيتهم بشكل ممنهج. وهذا يجيز إيذاءهم، بل وقتلهم، دون أي شعور بالندم. إن التعميم المطلق بأن سكان قطاع غزة “كلهم حماس” يبرر قتلاً جماعياً للأبرياء، بما في ذلك الشيوخ والنساء والأطفال. وهو يشجع أيضاً على التهجير القسري ويجيز السجن لفترة طويلة دون محاكمة، وتجاهل التعذيب. يبرر هذا النظام تجويع شعوب بالكامل، ويمنع وصول المرضى، بما في ذلك آلاف الأطفال، لتلقي العلاج الذي ينقذ الحياة.
إن الفظائع التي تنفذ كل يوم ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية – تخريب الممتلكات، الإهانة والقتل – لا تختلف في جوهرها عن مذابح القوزاق في أوروبا. هنا أيضاً لا يوجد رادع للمشاغبين عن الاستمرار في أعمالهم، حيث لا تقوم قوات الأمن بما يلزم لحماية الضحايا، بل على الأغلب تساعد المهاجمين. ويكاد لا يتم اعتقال المشاغبين، وحتى عند اعتقالهم يظهر نظام القضاء تساهل كبير معهم.
يفتي الحاخامات بعدم جواز تأجير الشقق للعرب في إسرائيل، وعدم جواز تشغيلهم. وتطرح ذرائع تتعلق بوجوب الحفاظ على نقاء العرق اليهودي. يضاف إلى ذلك قانون عقوبة الإعدام الذي سنّ مؤخراً وينص على تنفيذعقوبة الإعدام على العرب فقط. لنتذكر أننا في العصور القديمة، عندما كنا مملكة ذات سيادة، كان يوصف مجلس السنهدرين، الذي يفرض عقوبة الإعدام مرة كل سبعين سنة بأنه مجلس سنهدرين مميت (المشنيه، الآية 1 و10).
هذه المظاهر تساعد اللاساميين وتوفر لهم الذخيرة لمزاعمهم: ها هم اليهود المسالمون يكشفون عن حقيقتهم. في ظل حكمنا كانوا بائسين وحقيرين، أما الآن، حيث وصلوا إلى السلطة، فإنهم يكشفون اليهودية على حقيقتها. عنصرية، وحشية، فظاظة، قسوة، تسلط، عدم احترام قيم كرامة الإنسان وقدسية الحياة.
المظهر الخارجي للمشاغبين اليهود ضد العرب يعزز حجج اللاساميين: قضبان حديدية وسلاح في أيديهم، مرفقة بتبجح ظاهر على انتمائهم اليهودي، مع إظهار القبعة المنسوجة الكبيرة والأهداب التي تلوح بها الرياح. إن رؤية الحاخامات وهم يشجعون، يذكر بالصورة النمطية لليهودي في الرسومات الكاريكاتيرية اللاسامية، سيئة الصيت.
من الأمور الخطيرة بشكل خاص تصريحات المشاغبين والسياسيين الذين يقومون بدعمهم، والذين يتمسكون بأيديولوجيا مسيحانية وهمية، التي تبرر الأعمال الوحشية في قطاع غزة وفي الضفة الغربية، لأنها مستوحاة من وصايا إله اليهود. ما زالت صورة واحدة لمشهد فظيع منقوشة في ذاكرتي: أثناء أعمال الشغب في حوارة، وفي ضوء ألسنة اللهب بسبب إحراق البيوت – من دون تحذير سكانها بمغادرتها – تجمع المشاغبون لأداء صلاة المغرب، وانتشرت في أرجاء العالم كله صور احتفالات وسرور من موت الأطفال الفلسطينيين، مصحوبة بهتافات “الموت للعرب” و”لتحترق قريتكم”.
كان شن الحرب على غزة عقب فظائع 7 أكتوبر مبرراً، وحصل على دعم دولي. ظهرت الصعوبة في الرأي العام العالمي عندما تحول الأمر إلى حرب انتقام وحشية لا هوادة فيها. في هذه النقطة، وجهت لنا انتقادات شديدة حتى من الذين دعمونا في البداية. انتشرت هذه الانتقادات في أرجاء العالم،واجتاحت رجال الدولة والمثقفين والجامعات والعلماء والفنانين، بل ووصلت إلى درجة مقاطعة الإسرائيليين وإسرائيل.
رغم أن موجة الكراهية الحالية شجع عليها عناصر تؤيد الإسلام، لكن رد الفعل التلقائي لممثلي الحكومة الإسرائيلية وأنصارها كان “ها هي اللاسامية المألوفة تعود من جديد”. إن لوم اللاسامية أمر مناسب لهم، لأنه يسمح لهم بتجاهل المظالم التي يرتكبونها. ويستمرون في إقناع أنفسهم بأنهم على حق وأنهم أخلاقيون، وأن كل الاتهامات تنبع فقط من اللاسامية. هذا النهج خطير لأنه يمنعهم من مراجعة أنفسهم وتوضيح إدراك جوهر الانتقادات الموجهة لنا.
من المظالم الأخرى التي سببتها الأعمال الوحشية والتخريب في غزة والضفة الغربية، الضرر الذي لحق بالجاليات اليهودية في أرجاء العالم. لقد عادت اللاسامية في أرجاء مختلفة في العالم إلى الظهور، ما أدى إلى الإضرار بالممتلكات والأرواح، وتسبب ذلك في القلق وعدم الأمن في أوساط اليهود في أرجاء العالم كله.
يطالبنا أنبياء إسرائيل والرؤية التي قامت عليها دولة إسرائيل بأن نكون مجتمعاً نموذجياً ونوراً للأغيار. فلنتجنب التشبث باللاسامية التي عانينا منها عبر الأجيال كذريعة للتهرب من المسؤولية، ولنمنع حتى أدنى بوادرها من التسلل إلينا.
رافي فالدن
هآرتس 24/4/2026









