سقطت طهران في الفخّ الذي نصبته للمنطقة تحديداً لتواجدها في سوريا، بعدما شبكت علاقات استراتيجية مع النظام السابق، لتجعل من البلاد محطة رئيسية لتنفيذ مصالحها. لهذا اعتبر المراقب أن هروب بشار الأسد، كان بمثابة الضربة القاسمة لمشاريع طهران التوسعية، حيث تمّ إغلاق أهم ممراتها العسكرية من طهران إلى بيروت عبر سوريا.
فقدت إيران الكثير من أوراق القوة لديها بعد الحرب الإسرائيلية على “حزب الله”، حيث تراجع حضورها على حساب الإجماع العربي والغربي للدفع ببناء لبنان الجديد. فانتخاب العماد جوزف عون رئيساً للبلاد، وتسمية القاضي نواف سلام لتشكيل الحكومة، دلالة على ضعف نفوذ الحزب ومن خلفه الإيراني. كما وأن إخضاع الموفدين الديبلوماسيين وغيرهم من الإيرانيين للتفتيش من قبل جهاز أمن المطار أسوة بسائر الوفود الديبلوماسية، صورة لم يألفها اللبناني منذ ما بعد الحرب الأهلية، بسبب إخضاع جميع منافذ لبنان الخارجية إلى السطوة الإيرانية بالمباشر.
خسرت إيران في لبنان كما في سوريا، ما كان لها من حضور. هذا أمر طبيعي، لأنها لم تبن علاقة صداقة مع هذه الدول، كما وأنها تعاملت مع المعارضة السورية واللبنانية تماماً كما تعاملت القوات الأميركية في كل من أفغانستان وفيتنام. لهذا كرّر التاريخ مشهديته مع الحكومات الأميركية المتعاقبة من مشهدية سايغون الفيتنامية وكابول الأفغانية، فهل سيعيد تكرارها اليوم في مطار بيروت؟
لن ينسى التاريخ صور هؤلاء العملاء من الأفغانيين والفيتناميين الهاربين مع انسحاب القوات الأميركية بشكل مفاجئ، حيث “تعلّق” الكثير في حديد تلك الطائرات التي أتت لتنقل الكثير من المتعاملين معها إلى مناطق أخرى، ما سبب سقوط البعض منهم وفقدان حياتهم.
مشهدان كررهما التاريخ، وسجلا في ذاكرة الشعوب لأجيال، الأول كان في 15 آب/ أغسطس من عام 2021، حيث كان العالم على موعد مع حدث تاريخي، فخلال ساعات سريعة سيطرت حركة طالبان على كابول. في هذا المشهد أعيدت عقارب الساعة إلى الوراء، وبدأ العالم يستعرض حدثاً مرّ عليه أكثر من عشرين عاماً، تحديداً عام 1973 إلى سايغون الفيتنامنية عندما غادرت آخر طائرة أميركية من أحد مباني سايغون، حيث صورة الفيتناميين الهاربين، بعدما خدعتهم واشنطن وتركتهم لمصيرهم، تشبه تلك الصورة التي رسمها الأفغان في طائرة كابول.
لم يشهد مطار دمشق الدولي على مثل هكذا حدث بعد سقوط الأسد، بسبب وضوح المعارضة في التعاطي مع مؤيدي النظام، وتسامحها معهم من أجل بناء سوريا الجديدة، باستثناء من كان يفاخر في ارتكاب فظائع الجرائم بحق المعارضين لبشار.
استطاع النظام الجديد التعامل على مستوى الحدث بعد تسلمه السلطة، فهو لم يطلق الحملات العشوائية لاعتقال الآلاف من مؤيدي النظام البائد. بل على العكس رحبّ بكل سوري يريد العودة إلى دياره، وفتح صفحة جديدة مع شعبه من مختلف أطيافه لبناء سوريا الجديدة. لكنّ ماذا يريد جلال زاده من زيارته المفاجئة إلى بعض المسؤولين في بيروت؟
في تسريب يعود إلى مصدر قضائي لبناني بارز، فإن ما يريده زاده هو تأمين حمايتهم في لبنان، هم من مسؤولين أمنيين سوريين فروا إلى لبنان، ودخلوا أراضيه بطرق غير شرعية، وهناك من أمن له حماية من قبل بعض الأحزاب الموالية لطهران. لكنّ رغم أن طهران لم تتوان عن بعث رسائل إيجابية تجاه النظام الجديد القائم في دمشق، إلا أنّ تصرّف جلال زاده المرسل من قبل مسؤوليه، لا يعبّر عن صدق هذه النوايا من قبل طهران تجاه بيروت ودمشق، بل يظهر السعي لاستمرارية الفكر التوسعي ذاته على ما كانت عليه قبل 27 تشرين الثاني / نوفمبر الماضي، موعد توقيع “حزب الله” الهدنة مع إٍسرائيل، وبداية سقوط النظام في سوريا وتحضير الأسد للهروب.