مناضل فلسطيني
في السياسة، لا تُقاس اللحظات بحدودها الزمنية، بل بما تفتحه من احتمالات وما تحمله من تحولات. وعندما يبدأ الحديث عن مرحلة ما بعد القائد، فإن الأسئلة لا تتعلق فقط بمن يخلف، بل بكيفية اهتزاز التوازنات التي كانت قائمة، وكيف يُعاد تشكيل المشهد تحت ضغط غياب الشخصية المركزية. في الحالة الفلسطينية، ومع تقدّم الرئيس محمود عباس في العمر، يطفو على السطح توجّس مشروع يتعلق بمصير المحيطين به، وفي مقدمتهم نجله ياسر محمود عباس.
إن هذا التوجّس لا ينطلق من قراءة شخصية بقدر ما هو استشراف لطبيعة التحولات التي قد تعصف بالمشهد بعد غياب الأب عن عمرٍ طويل. فالتاريخ السياسي في المنطقة يُظهر أن لحظات الانتقال غالبًا ما تكون لحظات اهتزاز عميق، تُعاد فيها صياغة موازين القوى، وتُفتح فيها ملفات كانت مؤجلة أو محكومة بتوازنات دقيقة. وفي مثل هذه اللحظات، يصبح كل من ارتبط بدائرة القرار عرضةً لهزّات قوية، ليس بالضرورة بدافع الخصومة الشخصية، بل بفعل إعادة ترتيب البيت الداخلي.
ضمن هذا الإطار، يبدو حضور ياسر محمود عباس محاطًا بتحديات استراتيجية محتملة. فبعد غياب الأب، قد تتبدل طبيعة التحالفات، وتتصاعد المنافسة بين مراكز القوى داخل النظام السياسي، ما يجعل أي حضور مرتبط بالمرحلة السابقة عرضة لإعادة التقييم أو حتى الاستهداف السياسي. وهذه ليست خصوصية فلسطينية بقدر ما هي سمة عامة في الأنظمة التي لم تُحسم فيها آليات الانتقال المؤسسي بشكل واضح.
من هنا، يتسلل القلق لا بوصفه حكمًا، بل بوصفه إحساسًا استباقيًا بإمكانية التعرض لهزّات كبيرة، قد تكون قاسية في أبعادها السياسية والمعنوية. فالمشهد بعد القادة الكبار لا يكون امتدادًا هادئًا لما قبلهم، بل غالبًا ما يكون بداية لمرحلة جديدة تختلف في قواعدها وأدواتها وأولوياتها.
وفي ظل هذا التصور، يبرز خيار الانسحاب الهادئ كاحتمال يستحق التفكير، لا من باب الانكفاء، بل من باب قراءة التحولات بواقعية. فالخروج السلس من المشهد، في توقيت محسوب، قد يشكّل في بعض الأحيان حفاظًا على الحضور الرمزي، وتجنبًا للانزلاق في صراعات قد لا تكون نتائجها مضمونة.
لكن في المقابل، لا يمكن إغفال أن السياسة ليست فقط حسابات مخاطر، بل أيضًا مساحة للتموضع وإعادة التعريف. فقدرة أي شخصية على إعادة صياغة دورها، بعيدًا عن ظلال المرحلة السابقة، تبقى احتمالًا قائمًا، وإن كان محفوفًا بالتحديات.
إن الخلاصة التي يمكن الوصول إليها، أن هذا التوجّس يعكس قلقًا مشروعًا من طبيعة المرحلة المقبلة، أكثر مما يعكس موقفًا من شخص بعينه. فالمسألة في جوهرها ترتبط بمدى قدرة النظام السياسي على إدارة الانتقال بسلاسة، وعلى حماية الفاعلين داخله من ارتدادات الصراع. وبين خيار الاستمرار وخيار الانسحاب، يبقى الرهان الحقيقي على قراءة دقيقة للحظة التاريخية، بما يحفظ التوازن، ويجنب الانخراط في عواصف قد تكون أكبر من أي فرد.







