السياسي – تدفع واشنطن بملف الحدود السورية اللبنانية إلى واجهة الضغط على ميليشيا “حزب الله”، عبر ضبط المسالك الممتدة بين القلمون والبقاع والهرمل والجرود، بما يضع سلاح الحزب في مسار أكثر إلزامًا تحت سقف الدولة اللبنانية ويخفف الحاجة إلى استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل لبنان.
ووفق ما أفادت به مصادر سياسية لبنانية تلقت بيروت خلال الساعات الأخيرة إشارات دبلوماسية تفيد بأن واشنطن لا تطلب من دمشق دخول لبنان ولا فتح مواجهة عسكرية مباشرة مع ميليشيا “حزب الله”، بل تريد إجراءات محددة على الجهة السورية من الحدود تشمل مراقبة المسالك غير الرسمية، وإقفال نقاط عبور محددة في القلمون الغربي، وتشديد الرقابة على حركة الشاحنات الصغيرة.
وأضافت المصادر، أن النقطة الأهم في الاتصالات الجارية تتعلق بالطلب من دمشق تقديم لائحة إجراءات عملية للأمريكيين خلال الأيام المقبلة، تتضمن رفع عدد الحواجز على الطرق الواصلة إلى الحدود، ومنع تحرك مجموعات مرتبطة بالحزب في مناطق سورية قريبة من لبنان، وتزويد واشنطن بتقارير دورية عن المسالك المرتبطة بتهريب السلاح والمال والوقود.
فيما يستند التركيز الأمريكي على الحدود السورية اللبنانية إلى تعقيد قديم في هذه الجغرافيا، إذ لم تتحول الحدود الشرقية والشمالية للبنان إلى خط مضبوط بالكامل، وبقيت الجرود والممرات الجبلية والمعابر غير الرسمية جزءًا من هشاشة أمنية استثمرها الحزب لإبقاء سلاحه خارج القرار اللبناني.
وبرز تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الأربعاء، من قمة السبع في إيفيان الفرنسية، بأنه تحدث مع الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع بشأن ميليشيا “حزب الله”، كأحدث إشارة أمريكية إلى توسيع الضغط على الحزب من بوابة الحدود السورية اللبنانية، فيما أوضحت “رويترز” أن دمشق لا تزال متحفظة على أي انخراط عسكري في لبنان خشية الانزلاق إلى حرب أوسع وتوترات داخلية وطائفية.
في حين تزامن تصريح ترامب مع ضربات إسرائيلية جديدة في لبنان رغم مسار التهدئة المرتبط بالتفاهم الأمريكي الإيراني، ومع تحذير أمريكي واضح من العودة إلى الحرب إذا لم تلتزم إيران بما تريده واشنطن؛ ما جعل سلاح الميليشيا جزءًا مباشرًا من اختبار التهدئة الإقليمية.
بدوره، أكد دبلوماسي فرنسي سابق أن باريس تفضّل مرور أي تحرك مرتبط بالحدود عبر الدولة اللبنانية والجيش اللبناني، مع حصر أي التزام مطلوب من دمشق بضبط جانبها الحدودي ضمن تنسيق تقني محدود، مشيرًا إلى أن الأسابيع المقبلة ستشهد ضغطًا متزايدًا على ملف السلاح والحدود ودعمًا فرنسيًّا لمسار يمنح الجيش اللبناني غطاءً سياسيًّا أوسع في البقاع والجنوب.
وأوضح أن باريس ترى في ضبط الحدود مدخلًا مساعدًا لحصر السلاح بيد الدولة، شرط عدم تحويله إلى دور سوري داخل لبنان، وعدم ترك الجيش اللبناني وحيدًا أمام ضغط “حزب الله”، مع ضرورة الحد من قدرة إيران على إبقاء لبنان ورقة تفاوض مفتوحة.
فيما نقلت “أسوشيتد برس” بأن الاتفاق الأمريكي الإيراني المؤقت يسعى أيضًا إلى إنهاء النزاع في لبنان بين إسرائيل و”حزب الله”، مع بقاء عقبات مرتبطة بالانسحاب الإسرائيلي وبقدرة الدولة اللبنانية على تثبيت مسار أمني جديد، وهو ما يمنح ضبط الحدود السورية اللبنانية قيمة عملية في دفع ملف السلاح إلى الأمام، وتخفيف الحاجة إلى استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل لبنان.
هذا وتضع واشنطن المسالك الممتدة بين القلمون والبقاع والهرمل والجرود في صلب الضغط على “حزب الله”، عبر ضبط الطرف السوري من الحدود بما يضيّق هامش الحركة أمام الحزب ويعزز مسار حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية.
وتكتسب هذه المسالك أهميتها من موقعها الحساس بين القلمون والبقاع والهرمل والجرود، حيث يمكن أن يمنح ضبط واشنطن مدخلًا عمليًّا للضغط على سلاح “حزب الله”، ويفتح أمام الجيش اللبناني هامشًا أوسع لتثبيت حضوره على الحدود الشرقية، ضمن مسار يحد من قدرة الحزب على إبقاء السلاح خارج قرار الدولة، ويضيّق قدرة إيران على استخدام الملف اللبناني كورقة مفتوحة في التفاوض والتصعيد.
من جانبه، قال مصدر مطلع في مكتب شؤون الشرق الأدنى في وزارة الخارجية الأمريكية إن واشنطن طلبت من دمشق خطوات حدودية محددة، تشمل تشديد الانتشار قرب القلمون الغربي، وإغلاق مسالك غير رسمية معروفة لدى الأجهزة اللبنانية والدولية، ومنع أي حركة منظمة تمنح “حزب الله” هامشًا إضافيًّا خارج قرار الدولة.
ولفت المصدر الدبلوماسي إلى أن الجانب الأمريكي يريد من دمشق تسليم تصور ميداني خلال الأيام المقبلة، يتضمن نقاط الانتشار المقترحة قرب الزبداني وسرغايا وقارة في ريف دمشق، وآلية إبلاغ دورية عبر القنوات الدبلوماسية والأمنية، وقناة تنسيق محدودة مع الجيش اللبناني، بما يضع سلاح الميليشيا تحت ضغط حدودي مباشر.
ويأتي التركيز على الحدود اللبنانية الشرقية بعد أيام من طرح واشنطن فكرة مناطق تجريبية في الجنوب يتولى فيها الجيش اللبناني السيطرة الحصرية على الأرض، وهي صيغة تجعل ضبط الحدود مع سوريا امتدادًا عمليًّا لمسار نقل السلاح من يد الحزب إلى سلطة الدولة، وتحد من قدرة إيران و”حزب الله” على ربط الجبهات اللبنانية بحسابات التفاوض والتصعيد.





