بقلم: شادي عيّاد
وللحكاية وجهٌ آخر لا يراه المتنعمون من أموال الشعب الفلسطيني الذبيح. وجهٌ لا يظهر في الصور الرسمية ولا يدخل قاعات الاجتماعات، بل يسكن بيوتاً أنهكها الدين، وقلوباً أرهقها الانتظار، وأطفالاً كبروا وهم يسمعون الأسطوانة ذاتها: الظروف صعبة، والمرحلة حساسة، والفرج قريب… حتى أصبح الفرج نفسه بحاجة إلى واسطة!
في فلسطين، يبدو أن هناك شعبين: شعباً يُطلب منه أن يصمد أمام الجوع والحصار والبطالة وانقطاع الرواتب، وشعباً آخر يتقن إدارة الصمود من خلف المكاتب المكيفة والسيارات المصفحة. الأول يحسب ثمن الخبز والدواء، والثاني يحسب كلمات خطابه القادم عن “الإنجازات والتضحيات”. الأول يدفع الفاتورة، والثاني يشرح له أهمية دفعها بابتسامة وطنية!
والمفارقة أن المواطن لم يعد مطالباً بتحمل نتائج الأزمة فحسب، بل أصبح مطالباً بالتصفيق لمن يشرحونها له! الموظف ينتظر راتبه، والأب يختلق الأعذار لأطفاله، والمريض يؤجل علاجه، بينما ماكينة التصريحات لا تعرف التقشف، وتنتج لنا يومياً جرعات من التعافي والإنجاز والصمود. يبدو أننا نعيش نهضة عظيمة، لكن المواطن المسكين لم تصله رسالة التهنئة بعد!
أما المال العام، فتلك حكاية تستحق أن تُدرّس في كليات الغموض السياسي. الجميع يتحدث باسمه، والجميع يؤكد الحرص عليه، لكن حين يسأل المواطن أين تذهب أمواله، تنقلب الطاولة وتبدأ حفلة المصطلحات الوطنية: مؤامرة، استهداف، حساسية المرحلة، وحدة الصف! يا جماعة، نحن نسأل عن المال العام، لا نطلب كشف الشيفرة النووية!
وهنا يأتي الإصلاح، ذلك الضيف الثقيل الذي يزورنا في البيانات ولا يصل إلى حياة الناس. يُعلن عنه وتُشكّل له اللجان وتُعقد من أجله الورش والمؤتمرات، ثم نكتشف أننا بحاجة إلى إصلاح جديد لإصلاح الإصلاح السابق! تتغير العناوين وتُستبدل الشعارات، وتبقى النتيجة كما هي: المواطن يدفع والمسؤول يبرر واللجنة تدرس والكرسي يحتفظ بمكانه.
وحين ترتفع أصوات الناس مطالبة بالمحاسبة، يبدأ العزف على وتر الاحتلال والانقسام والمؤامرات. ولا أحد ينكر أن الاحتلال هو المسؤول عن جرائمه وحصاره وسرقته للأرض والحقوق والأموال، لكن منذ متى أصبح الاحتلال إجابة جاهزة عن كل سؤال؟ هل احتلال الأرض يبرر احتلال الوظائف؟ وهل مصادرة إسرائيل لأموالنا تمنح أحداً حق التصرف بما تبقى منها بلا مساءلة؟ وهل مقاومة الاحتلال تعني تعليق حق الناس في معرفة كيف تُدار شؤونهم؟
الوطنية ليست بطاقة إعفاء من المحاسبة، والمنصب ليس حصانة أبدية، والظروف الاستثنائية لا تعني أن تتحول المسؤولية إلى امتيازات دائمة لبعضهم، وتضحيات مفتوحة على حساب الآخرين.
والأكثر إيلاماً أن المواطن الفلسطيني أصبح مطالباً بإثبات وطنيته كلما طالب بحقه. عليه أن يصمت كي لا يضعف الجبهة الداخلية، وأن يتفهم كي لا يحرج المسؤول، وأن يصبر كي لا يُتهم بالتشكيك. بقي فقط أن يُطلب منه الاعتذار عن سوء التوقيت لأنه جاع في مرحلة سياسية حساسة!
أي منطق هذا الذي يجعل راتب الموظف قضية معقدة، بينما تبدو امتيازات بعض أصحاب المواقع أمراً لا يحتمل النقاش؟ وأي مسؤولية وطنية هذه التي تتسع عند توزيع المناصب، ثم تضيق عند توزيع الأعباء؟ ليس المطلوب أن يعيش المسؤول حياة المواطن بكل تفاصيلها، لكن المطلوب ألا يتعامل مع معاناته وكأنها خبر عابر في نشرة الأخبار.
ولسنا من الحاسدين، ولا نزاحم أحداً على منصب أو مكسب. خذوا ما شئتم من المواقع والمغانم، لكن اتركوا لنا وطناً صالحاً للحياة، نعيد فيه تربية أحلامنا، ونعلّم أبناءنا أن فلسطين تستحق مستقبلاً أجمل من حاضرها، وأن الانتماء إليها ليس مرادفاً للانتظار والانكسار.
فما قيمة المناصب كلها إذا ضاق الوطن بأحلام أبنائه؟ وما جدوى المكاسب إذا أصبح أقصى طموح الشاب أن يجد فرصة للحياة، لا أن يجد سبباً للبقاء؟
كفى! فالشعب ليس ماكينة تضحيات تعمل بلا وقود، ولا صندوقاً مفتوحاً لسد العجز، ولا جمهوراً في مسرحية وطنية يُطلب منه التصفيق كلما سقط فصل جديد من حياته.
فلسطين أكبر من المناصب، وأقدس من الامتيازات، وأثمن من أن تُختصر في خطابات من يتحدثون باسمها. ومن يتولى مسؤولية الشأن العام عليه أن يدرك أن المال مال الناس، والمنصب تكليف، والمحاسبة حق، وأن حب الوطن لا يعني منح أحد صك براءة مفتوحاً.
وللحكاية وجهٌ آخر… وجه شعبٍ لا يزال يدفع ثمن الاحتلال والانقسام والأزمات وسوء الإدارة، ثم يُطلب منه أن يشكر الجميع على صبره!
يا سادة، كفى استهبالاً بهذا الشعب. فهو لم يعد بحاجة إلى من يعلّمه الصمود، بل إلى من يتذكر أن الصمود ليس امتيازاً للمسؤولين، وأن الوطن ليس لهم وحدهم، وأن من يطلب من الناس التضحية عليه أن يكون أول من يخضع للمساءلة.
بقلم شادي عياد