السياسي -متابعات
نجحت دولة الإمارات في استقطاب ما يقارب 20 ألف متقاعد أجنبي من كبار التنفيذيين ورجال الأعمال الأثرياء الذين قرروا الاستقرار الدائم في دبي وأبوظبي، حيث ضخّ هؤلاء سيولة نقدية واستثمارات في القطاع العقاري قُدّرت بنحو 20 مليار درهم إماراتي (نحو 5.4 مليار دولار أمريكي) كإجمالي تراكمي منذ بدء العمل الرسمي بنظام “إقامة المتقاعدين” في سبتمبر(أيلول) عام 2020.
وتحولت هذه الثروات المستقرة إلى وقود حيوي لأسواق المال المحلية، عبر تحويل النظام المصرفي من محطة مؤقتة لإدارة الأموال العابرة، إلى مستقر دائم للاستثمارات طويلة الأجل، التي تحمي الأسواق من تقلبات السحب السريع وعواصف الفائدة العالمية.
جودة الملاءة المالية
وتكشف التحليلات لآلية عمل تأشيرة الإقامة، الممتدة لخمس سنوات والمخصصة لمن تجاوزوا سن الخامسة والخمسين، أن هذا التدفق الملياري التراكمي يتغذى على معايير مشددة تضمن جودة الملاءة المالية للمتقاعدين الأثرياء .
فالقانون يشترط لمنح هذه الإقامة وضع وديعة بنكية ثابتة ومجمدة لا تقل عن مليون درهم إماراتي لمدة ثلاث سنوات كحد أدنى في المصارف المحلية، أو إثبات دخل سنوي مستدام لا يقل عن 180 ألف درهم في أبوظبي و240 ألف درهم في دبي، أو بدلاً من ذلك، تملك عقار حر (غير مرهون) بقيمة مليون درهم على الأقل .
وبناءً على البيانات الصادرة عن الجهات المعنية باستقطاب المتقاعدين الأثرياء ، فإن هذه المبادرة نجحت في ضخ سيولة ضخمة في عروق الاقتصاد، بدأت تتلمس طريقها كأدوات تمويلية مستقرة خلف الستار.
انتعاش الصناديق العقارية
ولم يبق هذا التدفق المالي المنضبط حبيس الخزائن البنكية؛ بل جرى توظيفه بشكل مكثف لدعم أدوات الدخل الثابت والمستدام في سوق دبي المالي وسوق أبوظبي للأوراق المالية، تماشياً مع العقلية الاستثمارية المحافظة للمتقاعد الأجنبي الذي يبتعد بطبعه عن المضاربات السريعة عالية المخاطر.
وقد تجلى هذا الأثر بوضوح في الانتعاش التاريخي لصناديق الاستثمار العقاري المتداولة (REITs)؛ وعلى رأسها صندوق “مساكن دبي ريت” الذي يدير أصولاً تتجاوز قيمتها 23.5 مليار درهم، حيث باتت أسهم هذه الصناديق التي توزع أرباحاً نصف سنوية دورية ومجزية الملاذ المالي المفضل لهذه الشريحة التي تفضل عوائد العقار المضمونة دون الدخول في تعقيدات إدارته المباشرة.
دعم الصكوك المحلية
ولا يتوقف الأثر المالي لمدخرات المتقاعدين عند حدود الأسهم المدرة للأرباح، بل يمتد ليشكل ركيزة دعم أساسية لسوق السندات والصكوك المحلية .
وتشير البيانات المصرفية لعام 2026 إلى زيادة ملحوظة في إقبال المستثمرين الأفراد من فئة كبار السن الأثرياء على الصكوك السيادية وشبه الحكومية الصادرة في الإمارات، مدفوعين بالتصنيف الائتماني السيادي المرتفع للدولة عند (AA-) بنظرة مستقرة من وكالة “فيتش”، وباحتياطيات أجنبية ضخمة للنظام المصرفي بلغت 277 مليار دولار.
ويمنح هذا التوجه أسواق الدين المحلية عمقاً واستقراراً، ويقلل من اعتماد المؤسسات الإماراتية على الاقتراض الخارجي المكلف في ظل بيئة الفائدة المرتفعة عالمياً.
الحوالات الخارجية
وتتطابق هذه الرؤية مع مسوحات ديموغرافية ومالية أجرتها مؤسسات دولية في دبي، حيث أظهرت النتائج أن نحو 70% من الوافدين الأجانب ذوي الملاءة المالية العالية يبدون رغبة حقيقية في قضاء فترة تقاعدهم داخل الدولة بدلاً من تسييل أصولهم والهجرة العكسية إلى بلدانهم الأصلية.
ويعتبر هؤلاء أن توفير ملاءة مالية بحدود 5 ملايين درهم يعد كافياً جداً لضمان عيش كريم ومستدام في بيئة معفاة تماماً من ضرائب الدخل والمواريث الشائعة في أوروبا والولايات المتحدة.
ويعني هذا التحول الهيكلي اقتصادياً وقف نزيف الحوالات المالية الخارجة، وإعادة تدوير الأرباح كلياً داخل الشرايين الاستثمارية المحلية، بدءاً من أسواق المال ووصولاً إلى قطاعات الرعاية الصحية الفاخرة التي باتت تشهد استثمارات رأسمالية ضخمة لتلبية احتياجات هذه الشريحة الفاعلة.
وفي ضوء المعطيات السابقة فقد برهنت أرقام تدفق الثروات الأجنبية على نجاح الإمارات في إعادة ابتكار مفهوم “اقتصاد المتقاعدين”؛ فبينما تنظر دول أوروبية عدة لكبار السن كعبء على صناديق الضمان الاجتماعي والدعم الطبي، تحول هؤلاء في المنظومة المالية الإماراتية إلى رافعة اقتصادية حقيقية وصناع سوق صامتين.
إن منظومة الإقامات الطويلة لم تسهم فقط في استقطاب الآلاف من المليونيرية المتقاعدين الذين استقروا بصفة دائمة في الدولة، بل خلقت معادلة مالية فريدة تتغذى فيها أسواق المال والصكوك والصناديق العقارية على تلك السيولة المقدرة بـ 20 مليار درهم، في مؤشر على مدى جاذبية واستقرار الأسواق الإماراتية بالنسبة للباحثين عن حياة مستقرة وتحقيق ربحية مستدامة .







