سوف يخسر الإنسان الكثير من مقومات وجوده إذا سادت موجات الإلحاد واختفى صوت السماء فى سلوكيات البشر.. والأديان ليست مجرد شرائع تحملها طقوس وكتب سماوية وأماكن مقدسة.. إن الأديان هى أهم دستور أخلاقى وسلوكى يحدد للبشر مقومات الحياة وعلاقة الإنسان بأخيه الإنسان من خلال منظومة أخلاقية تضع ثوابت تحدد مسيرة الحياة بما يحقق الأمن والاستقرار والكرامة
ـــــ وفى عصور مختلفة تعرضت الأديان إلى مواجهات قاسية كان أسوأ ما فيها الحروب الدينية ولم تكن مقصورة على دين ضد دين آخر ولكنها وصلت إلى صراعات ومعارك بين أبناء الدين الواحد.. وفى تقديرى أن الأديان بقدر ما كانت طريقا لاستقرار البشر بقدر ما فتحت طريقا لصراعات دينية مازالت تهدد أمن الإنسان واستقراره حتى الآن.. وحينما نراجع صفحات التاريخ سوف تظهر أمامنا الحروب الصليبية كأسوأ الصراعات الدينية فى تاريخ الحضارة الإنسانية..
ـــــ وتطل علينا من جانب آخر حروب أوروبا رغم أنها تعتنق دينا واحدا وفى الحرب العالمية الأولى خسرت أوروبا الملايين وفى الحرب العالمية الثانية خسرت ٦٠ مليون إنسان فى خمس سنوات وفى تاريخنا الإسلامى دارت معارك ضارية وكانت كلها ترفع راية الاسلام ابتداء بحروب الردة وانتهاء بمقتل سيدنا الحسين رضى الله عنه على يد يزيد بن معاوية والغريب أن الحروب الدينية وجميعها ترفع راية الإسلام مازالت تدور حتى الآن بين أكثر من شعب مسلم فى سوريا وليبيا واليمن والعراق وكلها صراعات حملت راية دين واحد وسقط فيها ملايين الشهداء..
أعود إلى ظواهر سلبية كثيرة ظهرت فى عصور مختلفة وإن اتسعت دوائرها فى عصرنا الحديث أمام تراجع البعد الأخلاقى والسلوكى فى حياة الإنسان المعاصر وانهيار منظومة القيم التى تقوم عليها الشرائع السماوية..
أولاً : إن اتساع ظاهرة الإلحاد لم يأت من فراغ ولكنها كانت نتيجة خلل أصاب ثوابت الحياة الإنسانية التى سقطت فيها الأخلاق والعدالة والحق وكل هذه الأفكار العظيمة التى حملتها الأديان لإصلاح حياة البشر وفى ظل الحروب وما تركته من الموت والفقر والدمار فقد الإنسان كثيرا من القيم التى جاءت بها الأديان.. وأمام حياة اتسمت بالقمع كانت وراء سقوط ملايين البشر تغيرت ثوابت كثيرة وفقدت الأديان الكثير من قدسيتها فى حياة البشر وظهرت تيارات فكرية حاولت أن تشكك فى الأديان، ابتداء بأن الدين أفيون الشعوب وانتهاء بعبدة الشيطان.. واجتاحت هذه التيارات ملايين الشباب فى أوروبا أمام حالة الدمار التى خلفتها الحروب وكان من توابع ذلك تشجيع العلاقات الشاذة والسلوكيات المفتوحة وتراجع منظومة الأخلاق فى كل جوانبها.. وكان ذلك أسرع طريق لصعود تيارات الإلحاد وأصبحت لها مدارسها ومفكروها ومناهجها وبدأت تتسلل إلى دول أخرى وكان للعالم العربى نصيب منها..
ثانياً : كان اختلال منظومة القيم من أهم النتائج التى ترتبت على انسحاب الأديان من حياة البشر وهنا انتشرت ظواهر الشذوذ والجنس الثالث والعلاقات المفتوحة وساد نوع من أنواع الفوضى والانفلات فى المجتمعات واختفت الأسرة بشكلها التقليدى وانطلقت فى الشوارع ملايين الأطفال اللقطاء وغابت تماما منظومة الأخلاق التى وضعتها الأديان وكانت الفوضى هى البديل..
ثالثاً : للأسف الشديد إن أمراض الفوضى وجدت آثارها فى مجتمعات إسلامية محافظة يحكمها تاريخ طويل من الثوابت فى الأخلاق والسلوك وظهرت تيارات فكرية انبهرت بحالة الفوضى التى اجتاحت المجتمعات الغربية التى حسمت من زمان بعيد قضايا الدين واختارت نموذجا يتعارض فى كثير من أخلاقياته مع الأديان أخلاقا وشرائع وسلوكا..
رابعاً : كان من الخطأ الجسيم أن يسعى دعاة إبعاد الدين إلى مواجهة ثوابت مجتمعاتهم ويدخلون فى صدام مع واقع تاريخى وثقافى وأنسانى قام على أسس تاريخية تقدس الأديان وتحترم عقائدها وكان نشر الإلحاد والشذوذ والعلاقات المفتوحة وغياب الأسرة من الظواهر الشاذة التى تسللت إلى المجتمعات الإسلامية التى مازالت الأديان تمثل أهم المرجعيات فيها..
خامساً : كنت دائما افرق بين الانبهار الأعمى فى نظرتنا لتجارب وحياة الغرب والانبهار الواعى أن نأخذ أفضل ما فيها من قيم الحرية والعدل والعمل والمساواة ولعل هذا ما أكده الإمام محمد عبده عندما قال إنه وجد تعاليم الإسلام فى أوروبا ولم يجدها فى بلاد المسلمين وللأسف الشديد فإن الكثير من رموزنا أصابهم الانبهار الأعمى وغاب الوعي..
سادساً : كنت يوما أتحدث مع كاتبنا الكبير محمد حسنين هيكل الغائب الحاضر عن دور الأديان فى حياة البشر وأن الإنسان يخسر كثيرا إذا أسقط الأديان من عرشها وكيف واجهت الإنسانية كل ما لحق بها من كوارث الحروب والدمار فى ظل الأديان فماذا كان مصيرها لو غابت الأديان.. لولا صفحات التاريخ والكتب السماوية وقصص الأنبياء والرسل والتعاليم والشرائع التى نزلوا بها والحساب والعقاب والجنة والنار والحرام والحلال والحق والباطل لنا أن نتصور جبروت الإنسان وقد ارتكب كل الجرائم ضد أخيه الإنسان فى ظل هذه الأديان، ماذا لو غابت..!؟
سابعاً : إن انقسام المجتمعات تجاه دينها والصراعات التى تترك آثارها على كل شيء تعود بنا إلى عصور الجاهلية الأولى ونجد أبا لهب يطوف على الشاشات يدعو للكفر والإلحاد بينما يقف بلال يؤذن لصلاة الفجر وهناك من يدعو الناس للفضيلة وهناك من يروج للشذوذ وهناك من يقرأ سورة مريم وهناك من يقرأ أفيون الشعوب أهلا بالحرية التى تحترم فكر الآخرين وأهلا بالاختلاف الذى لا يدعو للفوضى والغوغائية ويمتهن عقول الناس ويسخر من أديانهم..
ـــــ إن تشويه الأديان وإفساد عقائد الناس وصل بالإنسان إلى درجة خطيرة من الانحلال والسقوط.. والأديان ضرورة من ضرورات الحياة فى الأخلاق والسلوك والأمن والحماية وحين يفرط الإنسان فى دينه فهو يهدم صرحا من ثوابت وجوده وإذا تصور البعض أن هدم الاديان مهمة سهلة فان التاريخ يؤكد أن الوجود الإنسانى كله قام على سماحة الأديان وشرائعها ودورها الأخلاقى والسلوكى فى حياة البشر.. وان الأديان يمكن أن تكون طريقا للهدى والصلاح ويمكن أيضا أن تفتح أبوابا للفتن والضلال وعلى الإنسان أن يختار بين دين يحميه وضلال يدمره..
ـــــ إن الصراع الذى يدور الآن فى أماكن كثيرة وقد انتشر كالنيران فى وسائل التواصل الاجتماعى واستطاع فى أحيان كثيرة أن يشوه ثوابت الأديان فى الأخلاق والفضيلة وتحول إلى معارك دامية بين طوائف تكره دينها وتسعى لتدمير كل شيء فيه وطوائف أخرى تتصدى لهذه العدوانية أفقد المجتمعات أهم ما يميزها فى البناء والتلاحم ووحدة الشعوب.. وانقسم أبناء الشعب الواحد إلى أفكار ومواقف متعارضة بحيث أصبح من السهل أن يعلن الإنسان إلحاده على الشاشات وبين الناس دون أن يشعر بالخجل وكانت النتيجة ظهور تيارات تحارب الأديان وأخرى تدافع عن قدسيتها وكانت هذه المواجهات فرصة لانقسامات حادة كان الدمار اقل ما فيها من الأضرار والخسائر.. ولا احد يدرى ما هو مستقبل شعوب دمرت أفضل ما فيها وجلست على أنقاض ما تركته أطلال المعارك بين دعوات للأديان وأخرى اختارت الضلال طريقا..
..ويبقى الشعر
مَا زالَ يرْكضُ بَيْنَ أعْمَاقى
جَوادٌ جَامحٌ..
سَجنوهُ يوما فى دُروبِ المسْتحيلْ..
مَا بَيْنَ أحْلام الليَالى
كانَ يَجْرى كلَّ يَوْم ألفَ مِيلْ
وتكسّرتْ أقدامُهُ الخضراءُ
وانشَطرتْ خُيوط ُالصُّبح فى عَيْنيهِ
وَاختنق الصَّهيلْ
مِنْ يومها وقوافِلُ الأحْزان تـَرتـعُ فى رُبُوعى
والدّماءُ الخضْرُ فى صَمتٍ تسيلْ
من يَومهَا.. والضَّوءُ يَرْحلُ عنْ عُيونى
والنـّخيلُ الشـّامخُ المقهُورُ
فِى فـَزع ٍ يئنٌ.. ولا يَمِيلْ..
مَا زالتِ الأشـْبَاحُ تسْكرُ مِنْ دمَاءِ النيلْ
فلتخبرينـِى.. كيف يأتى الصُّبْحُ
والزمَنُ الجمِيلْ..
فأنا وَأنت سَحَابتـَان تـُحلقـَان
على ثـَرى وطن ٍبخيلْ..
من أينَ يأتِى الحُلمُ والأشْباحُ تـَرتعُ حَوْلنا
وتغـُوصُ فى دَمِنا
سِهَامُ البطـْش.. والقـَهْرُ الطـَّويلْ
مِنْ أينَ يأتى الصبْحُ
واللــَّيْـلُ الكئيبُ عَـلى نزَيف عُيُوننـَا
يَهْوَى التـَسَكـُّعَ.. والرَّحيلْ
من أينَ يَأتى الفجْرُ
والجلادُ فى غـُرف الصّغـَار
يُعلمُ الأطفالَ مَنْ سَيكونُ
مِنـْهم قاتلٌ ومَن ِالقتيلْ ..
لا تسْألينى الآنَ عن زَمن ٍجميلْ
أنا لا أحبُّ الحُزنَ
لكن كلُّ أحزانِى جراحٌ
أرهقتْ قلبى العَليلْ..
ما بيْنَ حُلم ٍخاننى.. ضاعتْ أغَانِى الحُبّ..
وانطفأتْ شموسُ العُمر.. وانتحَرَ الأصِيلْ..
لكنه قدَرى بأن أحيا عَلى الأطـْلالْ
أرسمُ فى سَوادِ الليل
قِنديلا.. وفجرًا شاحبًا
يتوكـَّآن على بقايَا العُمر
والجسدِ الهزيلْ
إنى أحبُّك
كلما تاهت خـُيوط ُالضَّوء عَنْ عَيْنى
أرى فيكِ الدَّليلْ
إنى أحبـُّك..
لا تكونِى ليلة ًعذراءَ
نامت فى ضُـلـُوعى..
ثم شرَّدَها الرَّحِيلْ..
أنى أحبـُّك…
لا تكـُونى مثلَ كلِّ النـَّاس
عهدًا زائفـًا
أو نجْمة ًضلتْ وتبحثُ عنْ سبيلْ
داويتُ أحْزان القلوبِ
غرسْتُ فى وجْهِ الصَّحارى
ألفَ بسْتان ٍظليلْ
والآن جئتك خائفـًا
نفسُ الوُجوه
تعُودُ مثلَ السّوس
تنخرُ فى عِظام النيلْ..
نفـْسُ الوُجوُه..
تـُطلُّ من خلف النـَّوافذِ
تنعقُ الغرْبانُ.. يَرتفعُ العَويلْ..
نفسُ الوجُوه
على الموائِد تأكلُ الجَسدَ النـَّحيلْ..
نـَفسُ الوجوهِ
تـُطلُّ فوق الشاشَةِ السَّوداءِ
تنشرُ سُمَّها..
ودِماؤنـَا فى نشْوة الأفـْراح
مِنْ فمهَا تسيلْ..
نفسُ الوجوهِ..
الآن تقتحِمُ العَيُونَ..
كأنها الكابُوس فى حلم ٍثقيلْ
نفسُ الوجوه..
تعُودُ كالجُرذان تـَجْرىَ خلفنـَا..
وأمَامنا الجلادُ.. والليلُ الطويلْ..
لا تسْألينى الآن عَنْ حُلم جَميلْ
أنا لا ألومُ الصُّبحَ
إن ولــَّى وودّعَ أرضنـَا
فالصبحُ لا يَرضى هَوَان َالعَيْش
فى وَطن ٍذليلْ
أنا لا ألومُ النارَ إن هَدأتْ
وصَارتْ نخوة عرجاء
فى جَسَد عليلْ..
أنا لا ألـُوًمُ النهرَ
إن جفتْ شواطئـُه
وأجدَبَ زرْعُه..
وتكسَّرتْ كالضَّوء فى عَيْنيهِ
أعناقُ النخيلْ..
مادَامَتِ الأشْباحُ تسْكرُ
منْ دمَاء النيلْ..
لا تسَألينى الآنَ..
عن زمن ٍ جميلْ
قصيدة «جاء السحاب بلا مطر» سنة 1996