خاطب الباحث البارز في برنامج الشرق الأوسط التابع لمركز “ناشونال إنترست” غريغ بريدي الرئيس الأمريكي جو بايدن، مذكّراً إياه بسلسلة من الإجراءات التي اتخذها الرؤساء الأمريكيون السابقون بحق إسرائيل، حين هددت سياساتها المصالح الأمريكية في المنطقة.
وكتب في موقع “ناشونال إنترست” أنه في ظل الهجوم الإسرائيلي المحتمل على مدينة رفح، حيث يلوح في الأفق مصير 1.3 مليون لاجئ فلسطيني، سيجذب بايدن كارثة إنسانية وضرراً لا يمكن إصلاحه للمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، إذا فشل في التوضيح لليمين الإسرائيلي بقيادة نتانياهو أن الدعم الأمريكي للحرب سيكون مشروطاً بتصرفات إسرائيل.
كانت السياسة الحالية في الأساس عبارة عن تفويض مطلق، حيث عبر بايدن عن مشاعر الإحباط تجاه نتانياهو، وطالب بزيادة المساعدات الإنسانية، لكنه كرر التأكيد على الدعم الأمريكي الراسخ، والذي لا يتوقف على أي إجراءات إسرائيلية محددة.
تحتاج إدارة بايدن إلى إدراك أن للولايات المتحدة مصالحها الخاصة – فهي ليست متفرجاً هنا – وعليها الالتزام بالحفاظ على القانون المقبول للنزاعات المسلحة. وتحتاج واشنطن إلى الانفصال التام عن هذه السياسة ووضع بعض الحواجز، بما فيها شروط على استمرار إمدادات الذخيرة. هذا ليس أمراً غير مسبوق، والوقت ينفد.
سياسة تهجيرية
أضاف الكاتب أن الطريقة التي سار بها الهجوم الإسرائيلي على غزة حتى الآن أدت إلى وضع قابل للانفجار. شجعت إسرائيل سكان شمال ووسط غزة على مواصلة التحرك جنوباً، أولاً نحو خان يونس، ومن ثم نحو رفح والمواصي. أكثر من نصف سكان غزة موجودون في هذه المنطقة القريبة من الحدود المصرية، حيث يمكن أن يُحاصروا بسبب هجوم عسكري جنوباً، وربما يضطرون إلى دخول مصر.
تحدث العديد من كبار المسؤولين الإسرائيليين بصراحة تامة عن فكرة “الهجرة الطوعية” للسكان الفلسطينيين من غزة، وهي فكرة أوضح بايدن في وقت مبكر من الحرب أن الولايات المتحدة لن تدعمها. ويبدو أيضاً أن مستوى الضرر الذي لحق بالمباني السكنية في غزة يهدف إلى جعلها غير صالحة للسكن، مع وجود الكثير من الأدلة المتواترة عن هدم مبان فارغة، من خلال عمليات تدمير خاضعة للتحكم بعد فرار السكان.
إحباط بايدن
وفق الكاتب، أدت السياسات الإسرائيلية إلى عرقلة تسليم المواد الغذائية وغيرها من الإمدادات الإنسانية إلى غزة، حيث تشير تقديرات برنامج الغذاء العالمي إلى أن ما يقرب من ربع سكان غزة يواجهون “الجوع والمجاعة الكارثية”.
لقد أثار بايدن مراراً قضية انعدام الأمن الغذائي الفلسطيني مع نتانياهو في محادثات هاتفية، وأعرب عن إحباطه مما يراه عن حق فشلاً إسرائيلياً في تسهيل تدفق المساعدات بشكل مناسب. ويقال إن وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريش يحتجز شحنة كبيرة من الدقيق الممول من الولايات المتحدة في ميناء أشدود، بالرغم من تأكيدات نتانياهو لبايدن بأنه سيتم السماح للمساعدات الأمريكية بالمرور.
ومع هذا التركز للاجئين بالقرب من الحدود، بدون إمدادات غذائية كافية، سيولد الاندفاع العسكري نحو الجنوب ضغطاً على السكان للعبور إلى مصر. أوضحت مصر أنها لن تقبل ذلك عن طيب خاطر، لكنها تأخذ التهديد بنقل السكان على محمل الجد إلى درجة أنها بدأت في بناء بنية تحتية للاحتواء على الجانب المصري من الحدود لإدارة تدفق اللاجئين. نفى وزير الدفاع يوآف غالانت أنه سيتم طرد الفلسطينيين. مع ذلك، فقد ولّدت إسرائيل على الأقل الظروف التي تظهر تصوراً عقلانياً لإمكانية حدوث نقل للسكان.
انفصال كبير
يرى الكاتب أنه بصرف النظر عن استكانة إدارة بايدن تجاه إسرائيل على المدى القصير، ثمة جوانب إيجابية عدة لسياساتها الحالية. تدرك الإدارة الحاجة إلى منع انتشار النزاع، ويبدو أن مسؤوليها تحدثوا مع حكومة نتانياهو بشأن عدم القيام بحملة استباقية متزامنة في لبنان ضد حزب الله. كما ردوا على استفزازات حلفاء إيران في المنطقة بطرق محسوبة لتجنب التصعيد مع طهران. والأهم من ذلك أنهم أدركوا أن الاستراتيجية السابقة المتمثلة في تجاهل القضية الفلسطينية قد فشلت، راسمين هدفاً واضحاً للتحرك نحو دولة فلسطينية جنباً إلى جنب، مع الجهود المبذولة لتطبيع العلاقات مع مزيد من دول عربية أخرى.
لكن ثمة انفصال كبير بين تلك التطلعات الطويلة المدى والسياسة الأمريكية القريبة المدى والتي أوضحت أن إسرائيل لن تواجه أي عواقب لانتهاك التحذيرات الأمريكية بشأن معاملة الفلسطينيين في غزة، بالرغم من رغبة إدارة بايدن بوقف مطول لإطلاق النار قادر على تسهيل التحرك نحو تلك الأهداف الطويلة المدى.
هكذا ستضرر المصالح الأمريكية
لن ينتج عن تجاهل حكومة نتانياهو لتحذيرات بايدن كارثة إنسانية وحسب لكن أيضاً أضرار بمصالح الولايات المتحدة في المنطقة وحول العالم.
وإذا كانت هناك حركة لجوء كبيرة للفلسطينيين إلى مصر بنتيجة هجوم إسرائيلي، حتى وإن كانت بلا قصد، فستعرض معاهدة السلام الإسرائيلية مع مصر للخطر، وستقوض علاقات الولايات المتحدة في جميع أنحاء العالم العربي. كما أن ذلك سيزيد من احتمال نشوب حريق إقليمي شامل مع إيران.
قال بايدن في مؤتمر صحافي، أمس الأول الجمعة، إنه لا يتوقع هجوماً على رفح في المستقبل القريب بعد أن تحدث مع نتانياهو في اليوم السابق. مع ذلك، إذا عُرضت عليه مثل هذه الضمانات فسيتوجب النظر إليها في ضوء السجل السيئ الأخير لنتانياهو حيال عدم الوفاء بوعوده لبايدن، وقضية المساعدات الغذائية هي مثل على ذلك. كما لا يوجد لدى الجانب الإسرائيلي ما يشير إلى أن هذا هو الحال بعد الإشارات المتكررة إلى أن الهجوم سيمضي قدماً.
أضاف بريدي أنه حان الوقت للولايات المتحدة كي تفرض مطالبها عبر استخدام إمكانية اشتراط المساعدات العسكرية وإعادة الإمداد بالامتثال لقانون النزاعات المسلحة.
وهذا ليس أمراً غير مسبوق. أوقف الرئيس رونالد ريغان شحنات الذخائر العنقودية لإسرائيل أثناء غزو لبنان عام 1982، عندما كانت هناك تساؤلات مقلقة عن استخدامها في المناطق المكتظة بالسكان.
وجعل الرئيس جورج بوش الأب ضمانات القروض الأمريكية مشروطة بوقف النشاط الاستيطاني في الضفة الغربية. ووقع بايدن عن حق على أمر تنفيذي يطالب متلقي الأسلحة الأمريكية بالامتثال لقانون النزاعات المسلحة. مع ذلك، يبدو أن لا وجود لإرادة لدى إدارته من أجل فرضه على إسرائيل في الوقت الحاضر.
من المهم فهم عدم وجود علاقات ثنائية، بما فيها العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، قائمة على معادلة تخيير ثنائي بين التشغيل أو الإيقاف.
إن تخفيض شحنات الأسلحة، إذا حدث، لن يدمر العلاقة بشكل جوهري. حتى بريطانيا رأت أن الولايات المتحدة تهدد باتخاذ إجراءات صارمة ضد الجنيه الاسترليني خلال أزمة السويس. لكن استمرار حظر بايدن فرض أي عواقب على التصرفات الإسرائيلية – على عكس الرؤساء السابقين – يمكن أن يشجع نتانياهو على تجاهل كل من قانون النزاعات المسلحة والمصالح الأمريكية.