جاري التحميل...

الوعي بين صناعة النخبة واستلاب الجماهير: من المنارة الفكرية إلى السوق الإعلامي:

 

لم يكن الوعي عبر التاريخ مجرّد أداة إدراكٍ ساذجة للواقع، بل كان البوصلة الأخلاقية والفكرية التي تُوجّه الإنسان في اختياراته، وتصوغ علاقته بذاته وبالعالم. فالوعي ليس انعكاسًا آليًا للوقائع الخارجية، بل هو تشكيلٌ متجدّد للمعنى، ومرآة تعكس قدرة الإنسان على تجاوز ما يُفرض عليه من قوالب جاهزة إلى ما يختاره عقلُه الحرّ.
_الوعي كقيمة إنسانية:

لقد أدرك الفلاسفة الأوائل أن الوعي هو الذي يهب الإنسان فرادته. جون لوك رأى أن الوعي هو ما يمنح الهوية الإنسانية استمراريتها، فهو ليس ملازمًا للجسد بل متجاوز له، متّصل بالذاكرة والشخصية حتى بعد الموت. أما ليبنتز فاعتبر أن قمة الوعي تتحقق عندما يُحوِّل الإنسان لاوعيه إلى إدراك واعٍ، أي حين يُمسك بتلابيب المعنى ويعيد إنتاجه. وفي هذا يلتقي الوعي مع جوهر الحرية عند سارتر، الذي اعتبره “مشروعًا مفتوحًا”، يتجاوز كل المحددات ليمنح الذات إمكان أن تكون ما تريد.
_من نخبة التنوير إلى صناعة الاستلاب:
في العصور السابقة، كان الأدباء والمفكرون يشكّلون النواة الصلبة للوعي الجمعي. لقد واجهوا السجون والنفي والمطاردة، لكن أقلامهم ظلت منارات تشعل الدرب أمام مجتمعاتٍ تفتّش عن معنى وجودها. يمكن أن نستحضر هنا تجربة الطهطاوي والكواكبي في العالم العربي، أو فولتير وروسو في الغرب؛ هؤلاء لم يكونوا شهودًا صامتين على التاريخ، بل صُنّاعًا لمجرى الأفكار.
أما اليوم، فإنّ الوعي لم يعد حكرًا على المثقّف، بل أصبح ساحة تتنازعها وسائل الإعلام، وشركات التكنولوجيا، ومراكز القوى، حيث تحوّل الجمهور إلى مستهلك يُغذّى بالصور والرسائل الموجّهة أكثر مما يُحاور أفكار النخبة. هنا يُطلّ علينا ما سمّاه هربرت ماركوزه بـ “الإنسان ذو البعد الواحد”؛ إنسان مستلبٌ محكوم بالأيديولوجيا والإعلانات، يتماهى مع ما يُفرض عليه بدل أن يُعيد التفكير فيه.
_الدين والسياسة: بين النقاء والاستغلال.

لا يمكن إغفال دور الدين في تشكيل الوعي، فقد كان رجال الدين في مراحل عديدة قناديل للهداية الروحية والأخلاقية، يدفعون الناس نحو قيم العدالة والرحمة. غير أن الزمن الحديث شهد انحرافًا خطيرًا، حين تمّ تسييس الدين واستغلاله في صناعة وعي موجَّه يخدم مصالح السلطة. إنّه ما أشار إليه ميشيل فوكو حين تحدّث عن ارتباط المعرفة بالسلطة، فالمعرفة لم تعد بريئة، بل باتت جزءًا من آليات التحكم والسيطرة.
_الأزمة المعاصرة: بين التسارع والتفكك.
نحن اليوم في عصرٍ تسارعت فيه الأحداث وتضاعفت المؤثرات، من الموضة والفنون الاستهلاكية إلى الدعاية السياسية والإعلامية، حتى صار الوعي عرضة للتشظي. إنّها حالة قريبة مما وصفه زيغمونت باومان بـ “الحداثة السائلة”؛ حيث تتفتّت القيم والمعايير، ويذوب الثابت في سيل من المتغيّرات التي لا تمنح الإنسان سندًا متينًا يستند إليه.
_نحو إعادة الاعتبار للوعي النقدي:

إزاء هذا الواقع، يصبح واجبًا أن يُستعاد دور المفكّرين والكتّاب كصُنّاع للوعي النقدي الحر، لا كأصوات هامشية تُغرقها ضوضاء الإعلام. إنّ الوعي الحقيقي ليس تكرارًا لشعارات السلطة أو انغماسًا في استهلاك الصور، بل هو قدرة على مساءلة المعطى وكشف المستتر وراء الخطاب. ولعلّ أنطونيو غرامشي كان صائبًا حين أكّد أن “كل إنسان فيلسوف بالقوة”، غير أن الأمر يحتاج إلى مثقفين عضويين قادرين على وصل الفكر بالواقع، والمبدأ بالفعل.
_خاتمة:
إنّ الوعي اليوم يُخاض عليه صراع مرير: بين من يراه أداة للتحرر، ومن يستخدمه وسيلة للهيمنة. وإذا كان الماضي قد شهد منارات مضيئة من المفكرين، فإن حاضرنا بحاجة أشدّ إلى أصوات لا تنكسر، تُعيد الاعتبار إلى الوعي كقيمة إنسانية عليا، وكشرطٍ للكرامة والحرية. فالوعي ليس ترفًا، بل سلاح الوجود في مواجهة الزيف، وضمانة أن يبقى الإنسان سيد قراره لا رهينة شاشاته.

Facebook
X
LinkedIn
WhatsApp
Print