لم يكن أبي مجرد رجل من زمن مضى، بل كان زمناً قائماً بذاته، يحمل في ملامحه مزيجاً من الصلابة والحنان، ومن الفكر المتقد والروح المتواضعة. كان عصامياً بنى نفسه من الصفر، وصاغ إنسانيته لبنةً لبنةً كما يُشيِّد البنّاء الماهر بيته بالحجر والحب معاً. لم يكن يملك سوى إرادة لا تعرف الانكسار، وإيمانٍ بأن الإنسان يُقاس بما يبنيه في ذاته قبل أن يبنيه في الخارج.
كان أبي موسوعيّاً في فكره، يقرأ ليحيا، ويحيا ليعلّم. جمع بين المعرفة والعمل، بين الفكر والموقف، فكان موسوعةً تمشي على الأرض، لكنها موسوعة تفيض بالدفء الإنساني، لا بالجفاف الأكاديمي. في حضرته تعلّمنا أن الثقافة ليست زخرفة لغوية ولا تكديساً للكتب، بل هي وعيٌ بالوجود، وحسٌّ بالواجب، وضميرٌ يقظ لا ينام على باطل.
لقد غرس فينا منذ الصغر تلك القيم التي تُقيم الأمم قبل أن تُشيّدها المؤسسات: الصدق، الشرف، الأمانة، والوفاء. كان يقول دائماً: “من يكذب على نفسه، ينهار ولو صدّقه العالم كله.” وهكذا نشأنا نرى في الصدق مرآة الرجولة، وفي النزاهة تاج الكرامة. كانت فلسفته في الحياة تقوم على التوازن بين الحزم والرحمة، بين العمل والعائلة، بين حب الوطن واحترام الإنسانية، وكأنّه جسّد ما قاله أرسطو: “الفضيلة هي الوسط بين الإفراط والتفريط.”
إلى جانبه كانت أمي، رفيقة الدرب، تشاركه بناء الأسرة كما يُشارك القلبُ الجسدَ في النبض. معاً نسجا بيتاً من القيم لا من الجدران، ومن الحلم لا من المظاهر. فكان البيت عندهما مشروعاً أخلاقياً، ومدرسةً للفضيلة، وورشةً لصناعة الإنسان. في دفء يده وحنان نظرته، تعلّمنا أن الأبوة ليست سلطة، بل رسالة ومسؤولية.
كان أبي يرى في كل صباح فرصةً جديدة للعدل، وفي كل مساء حساباً للضمير. لا يُعلّم بالكلمات بقدر ما يُعلّم بالمثال؛ فحين كان يواجه الحياة بصبرٍ نادرٍ وتواضعٍ كبير، كنا نرى الفلسفة تمشي على قدمين. لم يكن يتحدث كثيراً عن القيم، لكنه كان يُجسّدها في صمته، في صدقه مع نفسه، في عطائه الهادئ الذي لا ينتظر جزاءً ولا شكوراً.
في زمنٍ غلبت فيه المظاهر على الجوهر، كان أبي ينحت فينا معنى الرجولة الصافية: رجولة الموقف، لا الصوت العالي؛ رجولة العطاء، لا التباهي؛ رجولة الحكمة، لا التسلّط. كان يؤمن أن الفكر بلا أخلاق عبثٌ، وأن الأخلاق بلا فكر عجزٌ، وأن كليهما لا يثمر دون حبٍّ يربط بين القلب والعقل.
واليوم، بعد أن غاب وجهه عن العيان، ما زالت روحه تحرسنا كقبسٍ من نورٍ لا ينطفئ. نتنفس حكمته في صمتنا، ونستمد من ذكراه ما يعيننا على أن نكون كما أراد: أحراراً بالضمير، نبلاء في الموقف، متواضعين أمام المعرفة، وأقوياء أمام الشدائد.
رحمك الله يا أبي، فقد كنت لنا المعلم الأول، والقدوة التي لا تبهت، والمثال الذي نعود إليه كلما ضاعت بنا دروب الحياة. سنبقى نحمل ميراثك العظيم فينا، لا في الكلمات وحدها، بل في الأفعال والمواقف، وفي كل لحظة نختار فيها الصدق على النفاق، والعقل على الغرور، والإنسان على المصلحة.
فقد علمتنا، يا أبي، أن من يعيش بالقيم لا يموت، بل يمتدّ في أبنائه كما تمتدّ الجذور في عمق الأرض، وكما يمتدّ الضوء في ليلٍ طويلٍ لا يكتمل إلا بذكراك.