مضى عام وأقبل آخر، بدون آل الأسد، وبعيدًا عن حكم الفاشيست الأسدي، وأصبح الوطن السوري وطنًا للجميع، تسوده مساحة مهمة وواسعة من الحرية. حيث غادرت جمهورية الخوف، التي كانت تقبع بين ظهرانينا، وعاد الوطن إلى أهله، وهرب المستبد تحت جنح الظلام، تاركًا وراءه فلولًا ومنتفعين، وأدوات للقمع والنهب والفساد، كانت قد عاثت في الأرض فسادًا، فخربت سورية، وأحالتها لأن تكون دولة فاشلة اقتصاديًا، ووكنا للخراب الاقتصادي، وللبنية التحتية التي نالها ما ينوف عن ٦٥ بالمئة من البنية التحتية خرابًا وتهديمًا وفواتًا.
نعم نحن اليوم بعد عام من كنس نظام الاستبداد مازلنا نتطلع إلى حيوات أفضل ومعاش آخر، ودولة للمواطنة، كنا نحلم بها، فأصبحت قاب قوسين أو أدنى من الممارسة والملموسية. رغم ذلك فلا يمكن إلا أن نكون واقعيين في نظرتنا إلى حالة التغير التي تحصل، وما برح الإنسان السوري يلاطم الأمواج، ويتحمل تبعات ومخلفات نظام القمع والاعتقال التعسفي، وما انفك الإنسان السوري يعاني جراء ذاك الوضع الاقتصادي البائس، وقلة فرص العمل، وعدم الكفاية، والعوز المعيشي، حتى وصلت نسبة الفقر إلى ما ينوف عن ٩٠ بالمئة كخط جديد لم يمر على سورية قبل ذلك منذ تأسيس الدولة الوطنية السورية، إبان (ساسيس ببكو) ونواتجها.
عام 2026 لابد أن يكون عامًا للتنمية، كما صرح بذلك وزير الخارجية أسعد الشيباني، وكما يُفترض أن يكون، لكن هل يمكن ذلك، في ظل الإشتغالات الفلولية تارة، وتمنع (قسد) عن الاندماج في مؤسسات الدولة السورية العسكرية والمدنية، ومطالبات حكمت الهجري ومجموعاته العسكرية بالانفصال، وإقامة كيان انفصالي جديد في الجنوب السوري، يضاف إلى ذلك التعديات الإسرائيلية المستمرة على الجغرافيا السورية، وقضم الأراضي، والعبث في الواقع السوري، تحت دعوى حماية الأقليات، وكأن اسرائيل فعلًا تحمي بشرًا، وهي الخارجة من حرب إبادة طالت عشرات الآلاف من أهل قطاع غزة .
واقع العام الحالي يفترض أن يكون أفضل من الذي سبقه، لكن أمامه وأمام الحكومة والسوريين جميعًا الكثير من التحديات، التي لا يبدو أن إزاحتها وتخطيها سيكون سهلًا، فلا (قسد) في وارد الاندماج، ووقف تعدياتها على أهلنا في حلب، وليس هناك من ضغط أميركي جدي، من أجل أن يتم تنفيذ اتفاق ١٠ اذار/ مارس الفائت، ولا يوجد ما يشير إلى احتمالات قوية لإنجاز تفاهم أمني مع إسرائيل يوقف التعديات الاحتلالية الإسرائيلية، في وقت تصر فيه إسرائيل على شروطها التعجيزية، وصولًا إلى الاتفاق المنشود والمفترض.
وليس هناك من جدية أميركية حتى الآن في إلزام إسرائيل في عملية التفاهم مع دمشق، حيث مازال (الأمن القومي الإسرائيلي) أولوية حقيقية عند لدن السياسات الأميركية في المنطقة. ومازال حكمت الهجري متعنت ويرفض الحوار، ويتمسح بالدعم الإسرائيلي، في ظل غياب للحوار، وهو الأفضل افتراضًا بين الدولة السورية والنخب الثقافية والسياسية والاجتماعية ذات السمعة النظيفة، والمعبرة عن الشارع الوطني في السويداء، واحتمالات بقاء هذا الملف مفتوحًا مازالت ممكنة.
ثم تتحرك الفلول المدعومة إيرانيًا بين الفينة والأخرى في الساحل السوري، في محاولة منها لإقلاق راحة السوريين وتخريب الاستقرار، ومن ثم استمرار الدعوات (الغزالية) الممقوتة شعبيًا لإنجاز فيدرالية، يريدونها كعملية جراحية، أو عبر ولادة قيصرية غير واقعية، وغير ممكنة عمليًا.
هذا هو الواقع السوري في مطلع عام ٢٠٢٦ فهل من آمال كبرى ترجى في الخروج من عنق الزجاجة؟ وتخطي حالة الاستنقاع؟ وتجاوز مخلفات نظام بشار الأسد، وصولًا إلى بناء الدولة الوطنية السورية الواحدة الموحدة؟ وهل يمكن أن يكون هذا العام بحق عامًا للتنمية وإعادة صياغة العقد الوطني السوري الجامع لكل السوريين والمعبر عنهم؟ أسئلة كثيرة مازالت مطروحة ومازال المشهد السوري حمال أوجه في سياقات الواقع السوري، وما انفك المتغير السوري يحمل في طياته الكثير من الاحتمالات والتغيرات. لكن ما هو ثابت وأكيد أننا أصبحنا في مرحلة جديدة وحديثة، ولا يمكن عبرها العودة إلى الوراء، حيث أصبحت حقبة حكم آل الأسد من الماضي السيء، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يقبل السوريين بأقل من عدالة انتقالية تجبر الضرر، وتدفع نحو المحاسبة، وتقطع مع الماضي، وتعيد بناء الوطن السوري، على أسس جديدة، خالية من القمع والاعتقال التعسفي، ويكون فيها إمكانية جدية لدور حقيقي لكل مواطن سوري، مهما كانت طائفته، أو أثنيته، أو أيديولوجيته.
عن مجلة الوعي السوري









