السياسي -متابعات
من تعديل جينات الرضع إلى إحياء حمض نووي عمره آلاف السنين وصولًا إلى اختيار صفات الأجنة، يحمل عام 2026، تحولات عميقة في عالم البيولوجيا الحديثة.
وتناولت مؤسسة “ماساتشوستس” للتكنولوجيا، التقنيات الثلاثة كالآتي:
1- تعديل جينات الأطفال: أمل علاجي غير مسبوق
في أغسطس (آب) 2024، وُلد الطفل كي جيه مولدون، مصاباً باضطراب وراثي نادر تسبب في تراكم الأمونيا السامة في دمه، ما عرّضه لخطر تلف دماغي قد يكون قاتلًا.
كان الحل التقليدي يتمثل في انتظار زراعة كبد، لكن خياراً آخر طُرح على عائلته يتمثل في علاج جيني تجريبي يعتمد على تقنية تُعرف باسم “تعديل القواعد” لإصلاح الطفرة الجينية المسؤولة عن المرض.
بعد ثلاث جرعات، تحسنت حالته بشكل لافت، وبدأ يخطو خطواته الأولى في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وتحولت هذه القصة من مجرد حالة إنسانية ملهمة، إلى نموذج قد يصبح واقعاً طبياً أوسع.
التقنية التي استُخدمت تنتمي إلى جيل متقدم من أدوات تحرير الجينات، يُتوقع أن يُحدث نقلة نوعية في علاج أمراض وراثية نادرة لدى الرضع.
ويعمل علماء من بينهم فيودور أورنوف من جامعة كاليفورنيا على تطوير أدوية مماثلة عبر شركات ناشئة مثل “Aurora Therapeutics”، بهدف علاج اضطرابات أخرى مثل بيلة الفينيل كيتون.
التحدي الآن ليس علمياً فقط، بل تنظيمي أيضاً: هل يمكن اعتماد نموذج “دواء مُفصّل حسب الطفرة” بموافقة تنظيمية واحدة تسمح بتخصيصه لكل مريض دون تجارب جديدة في كل مرة، حيث توحي بعض المؤشرات في الولايات المتحدة بأن الجهات التنظيمية منفتحة على هذا المسار.
2- إحياء جينات منقرضة: بين العلم والخيال
في زاوية أخرى من المشهد، تتصدر شركة “Colossal Biosciences” عناوين الأخبار بطموحها لإعادة إحياء أنواع منقرضة، مثل الماموث الصوفي وطائر الدودو.
خلال العام الماضي، أعلنت الشركة تطوير ما أسمته “فئران صوفية”، ذات فراء كثيف مستوحى من جينات الماموث، كما كشفت عن ثلاثة ذئاب بيضاء جرى تعديل حمضها النووي عبر إدخال نحو 20 تغييراً جينياً مستنداً إلى تحليلات لحمض نووي قديم.
يبقى الجدل قائماً حول مدى دقة وصف هذه الحيوانات بأنها “إحياء حقيقي” للأنواع المنقرضة، إلا أن التقنية المستخدمة – استخراج وتحليل الحمض النووي القديم وإدخاله في خلايا أنواع معاصرة – تمثل تقدماً علمياً لافتاً.
أهمية هذه الأبحاث لا تقتصر على إعادة “نسخ” الماضي، بل تمتد إلى فهم أعمق للتطور البشري والحيواني، وربما دعم جهود الحفاظ على الأنواع المهددة بالانقراض عبر الاستنساخ والتعديل الجيني.
3- تقييم الأجنة: اختيار الصفات يدخل دائرة الجدل
أما التقنية الثالثة، فتمسّ سؤالًا أكثر حساسية: ماذا لو أصبح بإمكان الوالدين اختيار صفات أطفالهم قبل الولادة؟
تطورت تقنيات فحص الأجنة ضمن عمليات التلقيح الصناعي لتتجاوز الكشف عن أمراض وراثية خطيرة، لتصل – في بعض الشركات – إلى تقييم احتمالات صفات مثل الطول، ولون العينين، بل وحتى مؤشرات مرتبطة بالقدرات الإدراكية.
شركات مثل “Nucleus Genomics” تروّج لفكرة مساعدة الآباء على اختيار “أفضل فرصة وراثية” لأطفالهم، وهو طرح أثار جدلاً واسعاً.
في هذا السياق، حذر النقاد من الانزلاق نحو مفهوم “تحسين النسل”، مؤكدين أن الصفات المعقدة، مثل الذكاء، لا تتحكم فيها جينات قليلة، بل شبكة واسعة من العوامل الوراثية والبيئية، كما أن اختيار سمة معينة قد يؤثر في سمات أخرى بطريقة غير متوقعة.
والأهم أن العلم – رغم تقدمه – لا يملك حتى الآن خريطة كاملة لكيفية تفاعل هذه العوامل، ما يجعل فكرة “تصميم طفل مثالي” أقرب إلى وعود تسويقية منها إلى واقع دقيق.










