تتكشف يوماً بعد يوم مخاطر العدوان الإسرائيلي ـ الأمريكي المشترك على إيران، إذ إن تداعياته لن تقتصر على إيران وحدها، بل ستطال مختلف الدول العربية والإسلامية في حال نجحت “إسرائيل”، بوصفها دولة احتلال، في فرض مشروعها الهادف إلى كبح مختلف القوى في المنطقة وإخضاعها.
وتعتقد حكومة بنيامين نتنياهو والائتلاف اليميني المتطرف الحاكم في تل أبيب أن نتائج حرب الإبادة الجماعية وتدمير قطاع غزة خلال العامين الماضيين، إضافة إلى الإجراءات الإسرائيلية المتصاعدة في الضفة الغربية ومخيماتها، قد تفتح الطريق أمام فرض واقع سياسي جديد في المنطقة.
فقد شهدت الضفة الغربية تصعيداً غير مسبوق في مصادرة الأراضي وتوسيع الاستيطان وقطع أوصال المدن والقرى الفلسطينية عبر شبكة واسعة من الحواجز العسكرية المنتشرة في مختلف المناطق، والتي تجاوز عددها مئات الحواجز، الأمر الذي حوّل الضفة الغربية إلى ما يشبه معسكرات اعتقال جماعية.
وتعيد هذه السياسات إلى الأذهان ممارسات الأنظمة القمعية في التاريخ، كما تعكس في الوقت ذاته ملامح نظام فصل عنصري شبيه بما عرفه العالم في جنوب أفريقيا خلال حقبة التمييز العنصري، حيث يجري التعامل مع الشعب الفلسطيني بمنطق السيطرة والإقصاء.
ورغم ذلك، فقد مارس الشعب الفلسطيني مختلف أشكال المقاومة، بما فيها المقاومة المسلحة، وهو حق مشروع تكفله القوانين والشرائع الدولية للشعوب الواقعة تحت الاحتلال.
وفي المقابل، تعرضت منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها التشريعية والتنفيذية لضغوط عربية ودولية كبيرة للقبول بقرارات الشرعية الدولية واعتماد خيار السلام باعتباره خياراً استراتيجياً، تحت عنوان «الأرض مقابل السلام».
وقد طُرحت في هذا الإطار سلسلة من المبادرات لتسوية الصراع، من أبرزها مؤتمر مدريد للسلام، واتفاق أوسلو، إضافة إلى مبادرة السلام العربية التي أقرتها القمة العربية في بيروت عام 2002. غير أن مختلف هذه المبادرات لم تحقق النتائج المرجوة، رغم التنازلات السياسية التي قدمها العرب والفلسطينيون.
وفي المقابل، برز داخل” إسرائيل” إجماع سياسي متزايد على رفض حل الدولتين، وهو ما يتجلى بوضوح في السياسات المطبقة على الأرض، من توسيع الاستيطان إلى العدوان المستمر على قطاع غزة. بهدف واضح تهجير الشعب الفلسطيني.، ويأتي اعتراف أكثر من 160 دولة بدولة فلسطين، ورغم الجهود الدولية التي بُذلت في الأمم المتحدة لدعم هذا الاعتراف…
وفي الوقت ذاته، تواصل الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب تقديم الدعم السياسي الكامل “لإسرائيل”، بما في ذلك نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس والاعتراف بما يسمى «يهودية الدولة»، الأمر الذي قوض بشكل كبير فرص تطبيق حل الدولتين.
كما يشهد العالم العربي والإسلامي تسارعاً في عمليات تهويد القدس الشرقية، إضافة إلى القيود المتكررة التي تفرضها سلطات الاحتلال على دخول المصلين إلى المسجد الأقصى المبارك، أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، إلى جانب الاقتحامات المتكررة للمستوطنين لباحاته في تحدٍ واضح لمشاعر المسلمين في مختلف أنحاء العالم.
إن هذه التطورات الخطيرة تتطلب موقفاً عربياً وإسلامياً واضحاً في مواجهة السياسات الإسرائيلية المتطرفة التي تضرب بعرض الحائط قرارات الشرعية الدولية ومبادرات السلام العربية.
كما تستدعي هذه المرحلة إعادة النظر في طبيعة العلاقة مع إسرائيل، بما في ذلك مسألة الاعتراف بها، في ظل استمرار الاحتلال وتوسيع الاستيطان.
فلا يمكن الحديث عن السلام أو عن حل الدولتين في الوقت الذي يُمنع فيه المسلمون من الصلاة في المسجد الأقصى المبارك، وتستمر فيه الاعتداءات اليومية على المقدسات الإسلامية في القدس.
إن الحياد في مثل هذا الصراع لم يعد خياراً مقبولاً، وبغض النظر عن التباينات أو الخلافات السياسية مع إيران، فإن التحدي الأكبر الذي يواجه المنطقة يتمثل في المشروع الإسرائيلي الساعي إلى فرض هيمنة شاملة على الشرق الأوسط.
ومن هنا، فإن إفشال هذا المشروع لم يعد مسؤولية طرف بعينه، بل مسؤولية جماعية تتطلب موقفاً موحداً من مختلف القوى العربية والإسلامية.
عمران الخطيب







