ليس مبالغة أن نقول إن مستقبل الشرق الأوسط، بل مستقبل الاقتصاد العالمي، يتوقف اليوم على أضيق ممر مائي على وجه الأرض. مضيق هرمز، ذلك الشريان الذي لا يتجاوز عرضه في بعض النقاط ثلاثة وثلاثين كيلومترًا، يمر منه عشرون بالمئة من النفط الذي يشغل مصانع الصين ويسخن بيوت أوروبا ويملأ خزانات الهند. ولكن في زمن الحرب، يتحول هذا الممر من شريان حياة إلى سكين مسمومة في يد من يعرف كيف يستخدمها. إيران، التي تقبع على الضفة الشمالية للمضيق، تمتلك هذه السكين، والأهم أنها تمتلك نظرية كاملة حول كيفية استخدامها ليس للفوز في المعركة، بل لتوزيع الألم.
توزيع الألم. تأمل هذه العبارة جيدًا، فهي جوهر كل شيء. عندما تشعر قيادة في طهران بأن الخناق يضيق عليها، وأن العقوبات توشك على خنق اقتصادها، أو أن الضربات العسكرية تستهدف أعماق أراضيها، فإنها لا تفكر في الاستسلام ولا حتى في الانتصار التقليدي. هي تفكر في كيفية جعل الألم الذي تعانيه مشتركًا، بل عالميًا. كيف؟ بإغلاق المضيق أو تعطيله، ولو مؤقتًا. لا تحتاج إيران إلى إبقاء المضيق مغلقًا لأشهر، بل تكفي أيام من الفوضى: ألغام هنا، زوارق انتحارية هناك، استيلاء على ناقلة، تهديد متقطع. يكفي أن ترتفع أقساط التأمين على الناقلات بنسبة خمسمئة بالمئة، وأن تعلن شركات الشحن الكبرى أنها ستعيد توجيه سفنها حول إفريقيا، وأن يبدأ سعر برميل النفط رحلة جنونية نحو مئتي دولار. هذا هو الألم الموزع: ألم إيران يتحول إلى ألم الصين والهند وأوروبا وأمريكا، بل وإلى ألم دول الجوار العربي أولاً وأخيرًا.
وهنا يبرز السؤال الذي يتردد في كل عاصمة خليجية، في كل اجتماع مغلق لمجلس التعاون، في كل غرفة عمليات استخباراتية مشتركة: كيف نواجه هذا السيناريو؟ الجواب الذي تهمس به الجغرافيا وتصرخ به المصالح هو كلمتان فقط: كتلة واحدة. ليس تحالفًا صوريًا تلتقط فيه الصور في القمم، ولا تنسيقًا عسكريًا محدودًا يجتمع فيه القادة كلما اشتعلت النيران، بل كتلة واحدة حقيقية، جسد سياسي واقتصادي وعسكري متماسك يعيد تعريف مفهوم الأمن في المنطقة. كتلة واحدة تعني أن تهديد أي دولة من دول الخليج هو تهديد للجميع، وأن أي ناقلة نفط تتعرض للهجوم في المضيق هي ناقلة للجميع، وأن أي قرش يضاف إلى فاتورة التأمين بسبب تهديدات إيرانية هو خسارة في جيب كل مواطن خليجي.
لكن لنكن صادقين، نحن بعيدون جدًا عن هذه الكتلة اليوم. ما نراه بدلاً من ذلك هو مشهد متناقض: دول الخليج الست، التي تملك من الثروة والقوة البشرية والموقع الاستراتيجي ما يمكنها من أن تكون لاعبًا عالميًا، لا تزال تتصرف كدول صغيرة متفرقة، لكل منها حساباتها الخاصة وعلاقاتها المنفردة مع إيران ومع القوى الكبرى. إيران نفسها تستثمر في هذا التفرق بمهارة فائقة، فتارة تتفاوض مع السعودية عبر الوساطة الصينية، وتارة تضغط على الإمارات عبر الملف النووي، وتارة تتواصل مع قطر حول الغاز المشترك. إنها لعبة فرق تسد الكلاسيكية، ونحن نلعبها بإتقان لصالح الخصم.
لنتأمل قليلاً في عبقرية الشر الإيرانية من حيث استراتيجية “توزيع الألم”. إيران تدرك أنها لا تستطيع منع مرور كل الناقلات إلى الأبد، فهذا فوق قدراتها العسكرية. ولكنها تستطيع أن تخلق حالة من عدم اليقين الدائم، حالة من الخوف المستقر في الأسواق، بحيث يصبح أي قرار بشراء النفط الخليجي مقامرة. الهدف ليس إغراق العالم في الظلام، بل جعل العالم يعاني بما يكفي ليدفع أمريكا وأوروبا إلى الضغط على إسرائيل أو على أي طرف آخر لوقف التصعيد ضد إيران. إنها استراتيجية الرهينة الجماعية: أنت تهدد وجودي، فأهدد وجود الاقتصاد العالمي.
هنا تأتي أهمية كتلة واحدة. تخيل معي، للحظة، أن مجلس التعاون الخليجي لم يعد مجرد منظمة تنسيقية، بل تحول إلى كيان له قيادة بحرية موحدة، تملك صلاحية الرد الفوري على أي تهديد في مضيق هرمز دون الحاجة إلى انتظار موافقة سبع عواصم مختلفة. تخيل أن هذه القيادة تملك أسطولاً من الزوارق السريعة، وكاسحات ألغام، وطائرات مسيرة بحرية، وشبكة رادار ساحلية متكاملة، الأهم أنها تملك عقيدة قتالية واضحة: أي هجوم على ناقلة نفط تابعة لأي دولة عضو هو هجوم على الجميع، والرد سيكون جماعيًا وفوريًا. عندما تعلم إيران أن أي تحرك منها سيواجه بقوة خليجية موحدة، وليس بقوات بحرية كل دولة على حدة يمكن هزيمتها أو تجاوزها، فإن حسابات المخاطر تتغير جذريًا.
ولكن الكتلة الواحدة لا تقتصر على الجانب العسكري. الاقتصاد هو ساحة المعركة الحقيقية في لعبة توزيع الألم. إيران لا تستهدف فقط النفط، بل تستهدف سلاسل التوريد بأكملها. تخيل أن المضيق تعطل، وأن أسعار المواد الغذائية ارتفعت لأن السفن لم تعد قادرة على المرور، وأن الأدوية المستوردة أصبحت شبه معدومة. في غياب كتلة واحدة، كل دولة تحاول إنقاذ نفسها بمفردها، مما يؤدي إلى منافسة داخلية ترفع الأسعار أكثر. أما في وجود كتلة واحدة، فإن المخزونات الاستراتيجية من القمح والدواء والوقود تصبح مشتركة، ويديرها كيان مركزي يوزعها على الجميع حسب الحاجة. هذا هو معنى الاقتصاد المقاوم للصدمات.
الأهم من كل ذلك هو الجانب السياسي، وهو الأصعب والأعمق. كتلة واحدة تعني أن تتحدث دول الخليج بصوت واحد في كل محفل دولي، من مجلس الأمن إلى مجموعة العشرين إلى منظمة أوبك. لا يمكن أن يكون هناك موقف سعودي وموقف إماراتي وموقف قطري من ملف إيران، بينما طهران تتنقل بينهم باقتدار. المطلوب هو موقف خليجي موحد، صارم وواضح: أمن الخليج هو مسؤولية دول الخليج أولاً، وأي تهديد للمضيق أو لأي دولة عضو هو خط أحمر، ولن نقبل بأي حلول وسط في هذا الشأن. هذا الموقف يتطلب تسوية الخلافات الداخلية التي طال أمدها، سواء في اليمن أو سوريا أو ليبيا أو العلاقة مع تركيا والإخوان. بدون وحدة سياسية، تظل أي وحدة عسكرية أو اقتصادية هشة وقابلة للاختراق.
ولننتقل إلى الجانب النفسي، الذي غالبًا ما يتم تجاهله، لكنه ربما يكون الأكثر أهمية. إيران راهنت طوال العقود الماضية على أن دول الخليج خائعة، مترددة، ومستعدة لدفع أي ثمن مالي أو سياسي لتجنب المواجهة. هذه العقدة النفسية هي التي جعلت ورقة المضيق فعالة. كتلة واحدة تعني كسر هذه العقدة مرة وإلى الأبد. تعني أن المواطن الخليجي العادي يعرف أن دولته ليست وحدها، وأن خلفها كتلة اقتصادية وعسكرية قادرة على الردع والرد. عندما يدرك الإيرانيون أنهم لم يعودوا يواجهون دولاً منفردة تتهافت على التهدئة، بل كتلة متماسكة تتحدث بصوت واحد وتملك قبضة حديدية، فإن حساب “توزيع الألم” يفقد معناه. لأن الألم الذي ستوزعه إيران سيرتد عليها بأضعاف مضاعفة.
الآن، دعنا ننتقل إلى سيناريو افتراضي لنرى الفرق بوضوح. تخيل أن الحرب في غزة توسعت، وأن إيران قررت الرد على ضربة إسرائيلية في عمق أراضيها بزرع ألغام في مضيق هرمز وإعلان منطقة حظر ملاحة. في عالمنا الحالي، دون كتلة واحدة، ماذا سيحدث؟ كل دولة خليجية ستصدر بيان استنكار منفرد، ثم اتصالات مكثفة مع واشنطن تطلب التدخل. أمريكا، التي تريد تجنب حرب إقليمية، ستتردد وتطلب أيامًا لتحريك أسطولها. خلال هذه الأيام، أسعار النفط تقفز بمئة وخمسين بالمئة، بورصات الخليج تنهار، وشركات التأمين تعلق تغطية المخاطر في المنطقة. بعد عشرة أيام، يبدأ الأسطول الخامس عمليات كاسحة ألغام، لكن الضرر الاقتصادي يكون قد حدث. إيران تعلن أنها نجحت في “توزيع الألم”، وتستخدم هذا الإنجاز كورقة تفاوضية قوية.
أما في عالم كتلة واحدة، فالمشهد مختلف تمامًا. خلال ست ساعات فقط من الحادث، تعلن القيادة البحرية الخليجية الموحدة حالة التأهب القصوى، وتنشر كاسحات الألغام والطائرات المسيرة بالتنسيق مع الأسطول الخامس ولكن ليس تحت قيادته. بالتزامن، تعلن الكتلة الاقتصادية الموحدة عن ضخ خمسة ملايين برميل يوميًا من المخزونات الاستراتيجية عبر خطوط الأنابيب البديلة (التي تكون قد أنشأتها مسبقًا، من الشرقية السعودية إلى ينبع، ومن الإمارات إلى الفجيرة، ومن الكويت إلى عمان)، مما يثبت الأسواق ويمنع الانهيار. ثم يتم إرسال إنذار نهائي لإيران: أي زورق حربي إيراني يقترب من المضيق سيتعرض للتدمير الفوري، وأي هجوم على ناقلة نفط سيواجه برد عسكري على المنشآت النفطية الإيرانية. إيران، التي تواجه الآن كتلة واحدة تملك القدرة والإرادة، تتراجع. لأنها تدرك أن المواجهة مع كتلة واحدة تعني حربًا لا يمكنها تحمل تبعاتها.
هذا هو الفرق بين عالمين: عالم التفرق الذي نعيش فيه اليوم، حيث توزع إيران الألم كما تشاء، وعالم الكتلة الواحدة الذي يمكن أن نبنيه إذا امتلكنا الشجاعة الكافية. السؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا بصدق هو: لماذا لم تحدث كتلة واحدة حتى الآن؟ العقبات معروفة وواضحة. أولاً، انعدام الثقة التاريخي. أزمات مثل حصار قطر، والخلافات حول اليمن، والتنافس السعودي الإماراتي على القيادة الاقتصادية والإقليمية، كلها جروح لم تندمل بالكامل. الوحدة تحتاج إلى قفزة نوعية في الثقة، وإلى تنازلات من الجميع، وهو أمر بالغ الصعوبة في منطقة تعشق التنافس. ثانيًا، التبعية الخارجية. بعض الدول لا تزال تعتقد أن أمنها يأتي عبر تحالفاتها مع واشنطن أو لندن أو حتى بكين، وليس عبر جيرانها. هذا التفكير عفا عليه الزمن في عالم متعدد الأقطاب تتغير فيه الأولويات الأمريكية بسرعة. ثالثًا، الخوف من الاستفزاز. هناك من يرى أن تشكيل كتلة قوية سيُقرأ في طهران على أنه حرب باردة جديدة، مما يدفع إيران إلى التصعيد مبكرًا. لكن المنطق يقول العكس: الضعف هو الذي يشجع التصعيد، وليس القوة. إيران تحترم القوة فقط، وتزداد جرأة عندما ترى فرقة وترددًا.
ومع ذلك، هناك عوامل مشجعة لا يمكن تجاهلها. التوترات الأخيرة أثبتت أن الاعتماد على القوى الخارجية وحدها لا يكفي. الحوثيون في البحر الأحمر أوقفوا الملاحة الدولية لأشهر، ولم تستطع أمريكا وحدها إنهاء التهديد بسرعة. هذا الدرس كان قاسيًا لكنه مفيد. كذلك، التحولات الاقتصادية العالمية، من الطاقة المتجددة إلى تنويع مصادر النفط، تجعل مستقبل الطلب على نفط الخليج أقل يقينًا. في هذا السياق، الكتلة الواحدة ليست مجرد خيار دفاعي، بل هي استراتيجية لضمان أن تظل المنطقة لاعبًا أساسيًا في عالم الطاقة حتى عندما يتراجع الاعتماد على النفط.
في النهاية، نصل إلى خلاصة لا مفر منها. مضيق هرمز هو نقطة ضعفنا المشترك، لكنه يمكن أن يكون نقطة قوتنا إذا تحولنا إلى كيان واحد. إيران تمتلك ورقة “توزيع الألم” لأننا أعطيناها إياها بفرقتنا وترددنا. عندما نكون كتلة واحدة، تصبح هذه الورقة بلا قيمة، لأن أي ألم تحاول توزيعه سيرتد عليها بأضعاف مضاعفة. عندما نكون كتلة واحدة، فإن العالم بأسره سيتعامل معنا كقوة إقليمية لا يستهان بها، وليس كمجموعة دول صغيرة تعيش على هامش الأمن الأمريكي. عندما نكون كتلة واحدة، فإن سكان طهران سيدركون أن تهديد المضيق لم يعد وسيلة ضغط مجانية، بل هو طريق سريع نحو الدمار.
الخيار أمام قادة الخليج اليوم ليس بين الوحدة والتفرق فقط، بل بين البقاء والاندثار الاقتصادي. توزيع الألم الذي تهدد به إيران ليس نظرية، بل هو خطة جاهزة للتنفيذ في أي لحظة تشعر فيها طهران بأنها محاصرة. الردع الوحيد الفعال هو أن تكون الكتلة الخليجية قوية ومتماسكة لدرجة أن أي محاولة لتوزيع الألم تتحول إلى انتحار جماعي للطرف الآخر. هل نملك الشجاعة لاتخاذ هذه الخطوة؟ هل نملك الحكمة لتجاوز خلافاتنا الصغيرة أمام التهديد الكبير؟ الأيام القادمة ستكون حاسمة. إما كتلة واحدة، أو أبدًا ألم موزع بلا نهاية. القادم أعتى، والوحدة لم تعد حلماً، بل ضرورة فرضتها الجغرافيا والنار.






