تعمل الولايات المتحدة وفق خطة معقدة في مضيق هرمز. فمن جهة نفذت الحصار البحري على الموانئ الإيرانية بنجاح بنسبة 100% خلال الأيام الثلاثة الماضية، وفي الوقت نفسه وضعت خطة لإبقاء المضيق مفتوحاً للملاحة غير المرتبطة بإيران، واستعادة مسارات ما قبل الحرب للناقلات والسفن. وقد نشرت صحيفة نيويورك تايمز خرائط توضح مسارات ما قبل الحرب وما بعدها، حيث حولت إيران مسار الملاحة في الأيام الأولى من إغلاقها المضيق إلى المياه الضحلة القريبة من ساحلها الجنوبي، بينما المسار الرئيسي المعتاد هو المحور العميق المار بمحاذاة ساحل عمان على المضيق.
ومن أجل تحقيق هذا الهدف الأمريكي، أطلقت الولايات المتحدة برنامج تأمين وإعادة تأمين ضخم، هدفه إعادة الثقة إلى الشحن البحري في بيئة متوترة عسكرياً، أي خلق مسارات آمنة ومعقولة التكلفة، وفي المقابل يبقى المضيق مغلقاً أمام إيران، بل إنها أصبحت فعلياً بلا مضيق طالما أنها ترفض التوقيع على المقترح الأمريكي للاتفاق النهائي.
واليوم، نقلت وول ستريت جورنال عن مسؤول أمريكي أن واشنطن التي أطلقت برنامجا لتأمين ناقلات النفط العابرة لمضيق هرمز لا تزال تعمل على استكمال الترتيبات الأمنية مع البحرية الأمريكية قبل إطلاقه، لكنه بات «جاهزاً تقريباً».
وأوضح كونور كولمان، رئيس الاستثمارات في مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأمريكية، خلال فعالية في واشنطن، أن المؤسسة — الذراع الاستثمارية للحكومة الفيدرالية — تجري اتصالات يومية مع مسؤولي البحرية لتشغيل البرنامج، الذي سيغطي خسائر تصل إلى 40 مليار دولار للسفن التي تواصل عبور هذا الممر البحري الحيوي.
وكان الرئيس دونالد ترامب قد أعلن عن الخطة لأول مرة في أوائل مارس بهدف إعادة فتح المضيق، إلا أن السفن لم تبدأ بعد باستخدام البرنامج.
ودافع كولمان عن سرعة تنفيذ المشروع، مؤكدا أن الحكومة نجحت خلال فترة قصيرة في إقناع كبرى شركات التأمين بتحمل المخاطر في بيئة حرب متقلبة، قائلاً: «أنجزنا ذلك خلال شهر واحد… تحركنا بسرعة القطاع الخاص».
وسيتولى إدارة برنامج إعادة التأمين البحري شركة Chubb السويسرية–الأمريكية، مع دعم من شركات كبرى مثل بيركشاير هثواي، إلى جانب شركات تأمين أخرى.
صُمم البرنامج الأمريكي الجديد على أساس أن القوة البحرية وحدها لا تكفي؛ فحتى لو وُجدت حاملات الطائرات والمدمرات في المنطقة، فإن كثيرا من ملاك السفن وشركات التأمين والممولين لن يوافقوا على العبور ما لم تتوفر مظلة تأمينية تغطي أخطار الحرب والضرر والخسائر الكبيرة. لهذا دخلت مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأمريكية على الخط بصفتها الذراع الحكومية، فيما تتولى “تشَب” إدارة البرنامج من جهة السوق التأمينية الخاصة.
البرنامج بدأ في 6 مارس 2026 بسقف 20 مليار دولار، مع تركيز أولي على هيكل السفينة والآلات والبضائع، وبالتنسيق مع القيادة المركزية الأمريكية بشأن التنفيذ. ثم جرى توسيعه رسميا في 3 أبريل إلى 40 مليار دولار، بعد انضمام شركات أمريكية كبرى إلى تشَب، هي: ترافيلرز، ليبرتي ميوتشوال، بيركشاير هاثاواي. ووفق الإعلان الرسمي، فإن الهدف هو استعادة التجارة عبر مضيق هرمز، وتثبيت حركة التجارة الدولية، ودعم الشركات الأمريكية والحليفة العاملة في الشرق الأوسط أثناء الحرب مع إيران.
وشركة “تشَب”، بصفتها المتعهد الرئيسي، تدير التسعير والشروط وإصدار الوثائق والمطالبات. أما نطاق التغطية فيشمل تأمين الحرب على بدن السفينة، وتأمين الحرب للحماية والتعويض، وتأمين الحرب على البضائع، مع اشتراطات أهلية لم تُكشف بالكامل حتى الآن. كما أن هذا الغطاء سيكون متاحا فقط للسفن العابرة لهرمز وفي ظروف محددة.
الأهمية الاقتصادية لهذا البرنامج ترتبط بحقيقة أن أقساط التأمين البحري على مخاطر الحرب قفزت في بعض الحالات بأكثر من 1000% مع اتساع الصراع، وهو ما جعل مجرد عبور المضيق عبئا ماليا ضخما حتى قبل احتساب مخاطر الإصابة أو الاحتجاز أو الإغراق. لذلك تحاول واشنطن استخدام المال والتأمين كأداة موازية للسفن الحربية: البحرية توفر الردع، والبرنامج التأميني يحاول جعل العبور ممكناً ومربحاً من جديد. لكن حتى يوم الخميس، حين تحدث مسؤول كونور كولمان، كان البرنامج قريبا جدا من الانطلاق من دون أن تكون السفن قد بدأت استخدامه فعليا بعد، بسبب استكمال ترتيبات أمنية نهائية مع البحرية الأمريكية.
مع هذا البرنامج فإن فكرة الحصار الأمريكي تتثمل في السماح بحركة مضبوطة للتجارة العالمية عبر هرمز، مقابل خنق القدرة الإيرانية على تحويل موانئها إلى بوابات تصدير. أي أن واشنطن تريد فصل «حرية الملاحة الدولية» عن «حرية الملاحة الإيرانية».
نقلا عن صحيفة البيان الإماراتية








