ليست كلُّ ورقةٍ تبقى معلّقةً على غصنها بعد الخريف خائنةً كما تهمس الأوراق التي تساقطت هي عنّ أغصانها .
ولا بطلةً كما تراها الشجرة وهي تضمّها إلى صدرها الأخير
ولا مجرد تفصيلٍ عابر كما تمرّ عليها الفصول في صمتها الأزلي.
هي فقط… ورقة آمنت بالبقاء، فبقيت.
ومن هنا تبدأ الحكاية التي تشبه أرواح البشر أكثر مما تشبه الأشجار.
ففي الحياة لا نعيش الوقائع بمعنى واحد
فالحدث ذاته قد يراه أحدهم وفاءً نادرًا
ويراه آخر تمرّدًا صاخبًا
ويمرّ عليه ثالث كأنه غيمة لا تستحق الالتفات.
لسنا نحكم على الأشياء كما هي
بل كما تسكن فينا.
كلُّ إنسانٍ يسكب على المشهد شيئًا من روحه:
شيئًا من جراحه القديمة او
من خوفه
او من أحلامه المؤجلة
او من انكساراته التي لم يعترف بها لأحد.
لهذا تختلف الروايات حول المشهد الواحد
وتكثر الأسماء
وتضيع الحقيقة أحيانًا بين صدى الأصوات
مع أنها في جوهرها قد تكون أبسط من كل هذا الضجيج:
إنسانٌ اختار ما يشبه قلبه فقط.
كم من صمتٍ حسبه الناس ضعفًا
وكان في داخله مملكةٌ من الحكمة.
وكم من تراجعٍ اتُّهم بالهروب
بينما كان أرقى أشكال الشجاعة
هو أن تنجو بنفسك من معركة لا تشبه كرامتك
وأن تحفظ قلبك من حرب لا تستحق أن تُسكنه الرماد.
مأساة البشر ليست في اختلاف زوايا النظر
فهذا من جمال الوجود واتساعه
بل في أن كل عينٍ تظن نفسها نافذة الحقيقة الوحيدة.
أما أصحاب الأرواح الواثقة
فلا يقيمون في مرايا الآخرين.
هم يعرفون أن الناس سيمنحون الفعل الواحد ألف اسم:
وفاء وخيانة وحكمة وعناد وقوة وضعف.
لكنهم لا يرهقون أرواحهم بتصحيح القواميس في أفواه الجميع
لأن الاسم الحقيقي لأي فعل لا يسكن ألسنة الناس
بل يسكن نية صاحبه وصدق قلبه.
لهذا لا يتوقف الإنسان الناضج طويلًا عند سؤال: كيف رآني الناس؟
لأنه يعرف أن كل عينٍ ترى بقدر ما تحمل في داخلها.
بل يسأل نفسه بثقة من يعرف جذوره:
هل كنتُ وفيًّا لروحي؟
هل خنتُ قلبي كي أرضي تصفيق الآخرين؟
فالورقة التي بقيت لم تكن تنتظر تصفيق الشجرة
ولا تخشى محاكمة الأوراق التي سقطت
ولا تعبأ كثيرًا بما ستكتبه الفصول في هوامش الزمن.
يكفيها أنها بقيت
لأن في داخلها يقينًا هادئًا يقول:
ليس كل من سقط كان على حق
وليس كل من بقي يحتاج أن يبرّر بقاءه.
هكذا يعيش الذين يعرفون أنفسهم جيدًا:
يمشون في العالم بطمأنينة من لا تكسِره الأحكام
وبثقة من يدرك أن الحقيقة ليست ما يُقال عنه
بل ما يعرفه هو عن نفسه حين يضع رأسه على وسادة الصدق.
فدعهم يختلفون في تسميتك
ما دمتَ أنت تعرف اسمك الحقيقي في قلبك.








