خطة ترمب لتمكين إسرائيل

طلال عوكل

خلال حرب السنتين، وحرب الإبادة والتجويع والحصار التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة، بدعم شامل من قبل الولايات المتحدة، كانت الفضائيات العربية تجد ساحة لتغطية الأحداث في السودان وأوكرانيا. ولكن خلال الحرب الجارية في الخليج، غابت غزة والسودان وأوكرانيا، إلا نادرًا.

التقصير الإعلامي يعكس تقصيرًا سياسيًا من قبل الدول العربية والإسلامية، خصوصًا المشاركة في مجلس ترمب للسلام، اللهم إلا بعض التصريحات والنشاطات الإعلامية المتباعدة، التي تحذر مما تقوم به إسرائيل من اعتداءات وتستنكر سياساتها.

الرئيس الأميركي ترمب، الذي يسجل لنفسه إنجازًا بتحقيق السلام في غزة، إثر موافقة الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي على وقف إطلاق النار، استنادًا إلى قبول خطة ترمب، لم يعد يجد وقتًا، لا هو ولا مجلسه، لمتابعة مجريات تنفيذ خطته. فالرئيس ترمب، الذي لا يترك شاردة ولا واردة في العالم، ترك الوضع في غزة والضفة لأيدي أمينه؛ إذ يقوم الجيش الإسرائيلي بإحكام السيطرة على القطاع، ويشارك المستوطنون في تعزيز وتوسيع السيطرة الفعلية في الضفة الغربية والقدس.

إسرائيل، التي وافقت على خطة ترمب، تتصرف وفق رؤيتها؛ فتقفز عن استحقاقات المرحلة الأولى إلى ما تريده من المرحلة الثانية، لتعطيل الخطة أو تحويلها إلى نصر فشلت في تحقيقه ميدانيًا.

تغلق إسرائيل المعابر حيثما تشاء، وتُقنن إدخال المساعدات والمواد الغذائية إلى ما دون الحد الأدنى، ولا تتوقف عن القصف والاغتيالات. فلا خيام، ولا كرفانات، ولا آليات، ولا أي معدات لإعادة الإعمار.

ونقلت جريدة «الغارديان» عن منظمات الإغاثة العاملة في قطاع غزة أنها أُبلغت من ضباط الارتباط الإسرائيليين بضرورة الالتزام بالاقتراب من «الخط البرتقالي» الجديد، الذي يتجاوز المساحة التي يحتلها الجيش الإسرائيلي، والمقدّرة بنحو 53% من مساحة القطاع.

في الواقع، فإن الرئيس الأميركي كان قد قام بتحويل مبلغ 17 مليار دولار، التي جُمعت من مجلس السلام، لصالح إسرائيل، الأمر الذي سيؤدي إلى امتناع الدول القادرة والمستعدة للمساهمة في إعادة الإعمار عن الدفع مجددًا.

وإذا كانت دول الخليج العربية من أكبر المساهمين في إعادة الإعمار الموعودة، فإن هذه الدول تعرضت لخسائر فادحة نتيجة الحرب التي فجرتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، فضلًا عن أنها قد تفقد الثقة بمن يطالبها بتقديم الأموال لإعادة إعمار القطاع.

هل يمكن الاعتقاد أن الرئيس ترمب ومندوبه السامي غير قادرين، أم أنهم غير مستعدين للضغط على إسرائيل من أجل السماح بدخول أعضاء لجنة التكنوقراط إلى غزة لمباشرة مهامهم وفق الخطة؟

طريقة التعامل مع ملف غزة تؤكد أن إسرائيل هي المتصرف الوحيد فيما يتعلق بتنفيذ الخطة وخنق حياة الناس، وهي تشترط سحب سلاح المقاومة دون أن تشير إلى ما يمكن أن تقدمه مقابل ذلك.

هكذا يبدو أن قطاع غزة يمثل بالنسبة لإسرائيل جبهة حرب محتملة يمكن أن تعود إليها وفق ما قامت به خلال السنتين، حيث تهدأ بعض الجبهات التي تخوض فيها حروبها المستدامة.

بعد أكثر من ستة أشهر على دخول الخطة حيز التنفيذ في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، يبدو أن خطة ترمب قد فشلت عمليًا، لكن إعلان وفاتها مرهون بنتائج الحرب الجارية في الخليج العربي.

في الضفة الغربية، الحال ليس أفضل؛ إذ تواصل إسرائيل الاستيطان والاقتحامات والاعتقالات ونسف البيوت ومصادرة الأراضي والتهجير بعد التدمير.

كما تواصل إسرائيل سياسة إضعاف السلطة الفلسطينية وتجفيف مواردها المالية من خلال القرصنة على أموال المقاصة، التي تبلغ حتى الآن نحو خمسة مليارات دولار، حتى باتت السلطة غير قادرة على الوفاء بالتزاماتها تجاه رواتب موظفيها.

الأوضاع الاقتصادية في الضفة على شفير الانهيار؛ فلا عمال يُسمح لهم بتجاوز الخط الأخضر، ولا رواتب تكفي الحد الأدنى من متطلبات أسرة صغيرة، فيما تتعرض المزارع للإتلاف، ولا تتوقف اعتداءات المستوطنين على المزارعين وممتلكاتهم.

المسكنات التي يقدمها الاتحاد الأوروبي لا تشكل منقذًا لوضع السلطة، التي يُستهدف وجودها بعد تدمير مؤسسات الدولة.

يمكن الهروب من المسؤولية وتحميلها للأشقاء العرب والمسلمين، وهم يتحملون بالتأكيد جزءًا مما يجري للقضية الفلسطينية وأهلها، ولكن قبل ذلك لا بد من الإشارة بوضوح إلى مسؤولية الفلسطينيين أنفسهم عما يتعرضون له.

يستمر الانقسام ويتفاقم منذ ما يقرب من عشرين عامًا، ولا يزال التنافر هو المشهد المسيطر، حتى في الانتخابات البلدية؛ إذ يتضمن القانون طابعًا إقصائيًا، حيث يشترط على كل مرشح الموافقة على برنامج منظمة التحرير، ما أدى إلى امتناع المخالفين عن الترشح، وبالتالي فوز القوائم بالتزكية.

بعد نحو عشرين عامًا على الانقسام، لم يعد المرء يعرف كيف يمكن إنهاؤه، رغم أن الوحدة الوطنية هي الركيزة الأساس لمواجهة المخططات الإسرائيلية، وفي غيابها لا يمكن البحث عن شماعة لتعليق المسؤوليات عليها.