ليس العلم الجزائري مجرد ألوانٍ ترفرف في السماء، ولا قطعة قماشٍ تُرفع في المناسبات، بل هو كينونة وطنٍ اختصر التاريخ في رمزه، وجسّد الذاكرة في حضوره، وحوّل التضحيات إلى معنى خالد لا يزول. إنّه علم الشهداء الذين كتبوا بدمائهم فجر الحرية، وعلم الثورة التي صنعت من الألم أملاً، ومن الجراح وطناً، ومن المستحيل انتصاراً.
في خضرة هذا العلم تنبض الحياة الجزائرية بكل تجلياتها؛ خضرة الأرض التي أنجبت الأبطال، وخضرة الأمل الذي لم ينكسر رغم عتمة الاستعمار. وفي بياضه صفاء الروح الوطنية التي توحّدت فوق كل الانتماءات، بياض يحمل نقاء الفكرة وسلام المقصد، ويؤكد أن الجزائر كانت وما زالت وطناً للكل، يتسع للجميع دون إقصاء. أما حمرة الهلال والنجمة، فهي ليست لوناً فحسب، بل هي صرخة دمٍ ما زالت تسكن الذاكرة، دم الشهداء الذين ارتقوا ليبقى الوطن، ولتظل الراية عالية لا تنحني.
هذا العلم ليس فقط علم الثورة، بل هو أيضاً علم الفكر والعلم والعلماء، علم الحضارة التي لم تنقطع جذورها، بل امتدت من عمق التاريخ إلى آفاق العولمة الحديثة. هو علم يجمع بين الماضي والمستقبل، بين البندقية والكتاب، بين التضحية والفكرة، بين الذاكرة والحلم. هو علمٌ استطاع أن يختزل الجزائر بكل روافدها الثقافية والاجتماعية والفكرية، فصار مرآةً لوطنٍ متعددٍ في وحدته، متنوعٍ في انسجامه.
وإنني، وأنا أخوض مسيرتي العلمية في رحاب المعرفة، وأقف على أعتاب مناقشة الدكتوراه في علم الاجتماع والفلسفة، أعتز أن أتوشّح هذا العلم فوق عنقي، لا كزينةٍ عابرة، بل كأمانةٍ ثقيلة، ومسؤوليةٍ تاريخية، وهويةٍ لا تنفصل عني. أضعه على كتفي كما يضع المجاهد بندقيته، وكما يحمل المفكر قلمه، وكما يحتضن العالم فكرته. إنّه بالنسبة لي عهدٌ مع الشهداء، ووعدٌ للوطن، ورسالةٌ بأن العلم لا ينفصل عن النضال، وأن الفكر هو امتدادٌ للثورة، وأن المعرفة شكلٌ آخر من أشكال التحرر.
العلم الجزائري هو علم الكل الوطني، علمٌ يجمع ولا يفرّق، يوحّد ولا يقسّم، يحتضن الجميع تحت رايته. بل إن رمزيته تجاوزت حدود الجغرافيا، فصار كل حرّ في هذا العالم، وكل مناضلٍ من أجل الكرامة، يجد فيه معنىً لقضيته. وليس غريباً أن يعتز به الفلسطيني كما يعتز به الجزائري، لأنهما يلتقيان في جوهر النضال، وفي معنى الأرض، وفي قدسية الحرية.
إنه علمٌ يقول لنا إن الوطن فكرة قبل أن يكون حدوداً، وإن الهوية موقف قبل أن تكون انتماءً، وإن النصر حتمية حين تتوحد الإرادة مع الإيمان. لذلك سيبقى العلم الجزائري رايةً للخلود، ومرآةً للثورة، وجسراً بين الماضي والمستقبل، ودليلاً على أن الشعوب التي تكتب تاريخها بالدم، لا يمكن إلا أن تكتبه بالنور.








