أوراق كتبت في وعن السجن.. كيف نجت الحكاية

مهند طلال الاخرس

2026 / 4 / 29
في سجنٍ بُني من الإسمنت والوجع، اسمه الجنيد، كانت الحكايات لا تُروى… بل تُنحت في العظم وتختبيء في الجدران بانتظار من يستنطقها.

في هذا السجن اذا اغمضت عينيك وانصت لجدرانه تسمع تراتيلا وغناء ووجعا وانينا وخطوات واهات وسيرة واثر كبير قد تحتاج الى الاف الصفحات ل تملأها من وجع من مرو من هنا وتركوا حكاياهم في ثنايا الجدار كخابية اتعبها شقاء السنين وصدى الحكايات والوجع والاهات والكثير من الدمعات…

وان طال بك المقام واتقنت طرائق الدق على جدران زنازين سجن الجنيد وامتهنت خزن الحكايات وايداعها في الخابية فقد سرت وصرت صاحب اثر لا يزول ، ولديك من الحكايات ما يقال لاجيال واجيال…

فهذا السجن في زمن الاحتلال الاسرائيلي المباشر، كان موطنا للوجع ولكسر ارادة الرجال؛ ولانهم رجال اودعهم الوطن اجمل انفاسه، بقي اثير كلماتهم واثر خطواتهم حديث الاجيال..

ولانه سجن بني على ارض البلاد، ولان جدرانه مجبولة بعرق اصحاب الارض ، ان طرقتها تناثرت الحكايا كحجارة الوادي، كان لابد للمنصت لهمسات الجدار، ولمن يتقن فن استرجاع الحكايا ، ان يبدا بجمع حجارة الوادي، وهذا الجمع اول مايكون من عند حكاية تأسيس السجن منذ اللبنة الاولى حيث حجر الوادي الاول…

فهذا السجن [الجنيد] أصلا عبارة عن مستشفى عسكري بنته الحكومة الأردنية ابان حكمها للضفة الغربية، وسقط بيد الاحتلال وهو غير مكتمل البناء (بناية عظم). فقرر اليهود تحويله إلى سجن مع بداية الثمانينيات، واقترفوا بذلك جريمة سكت العالم عنها، مما شجع الاحتلال على المضي في غيه …

أبقى الاحتلال على الشكل الخارجي للمبنى، لكنهم أجروا تعديلات إنشائية جوهرية داخلية عليه بحيث اختفت معالمه كمشفى، واصبح منذ تلك اللحظة سجنا لكل شيء فلسطيني؛ الانسان والقضية والحكاية..

………

ولان السجن مجمع الحكايا؛ وجدرانه من حجارة الوادي، اتقن اصحاب الوادي والبلاد ايداع جدرانه اسرار حكاياتهم وانين اوجاعهم…

ومن هنا بالذات بدات رمزية “الجدار” في السجون ، كان ذلك الفعل والارث الثقافي والوطني قد بدا خيطه الاول مع عوض النابلسي ابن قرية ياصيد ، فعوض النابلسي لم يكن مجرد مقاتل، بل أسس لمدرسة “أدب السجون” و”أدب الجدران”؛ حيث أصبح كل أسير يأتي بعده ينظر إلى الجدار كـ “سبورة” للمقاومة والرسائل الخالدة، حتى اصبح فعله “بروتوكولاً” غير مكتوب للأسرى الفلسطينيين حتى اليوم: فلا يزال الأسرى ينقشون أسماءهم وتواريخ اعتقالهم على الجدران. واصبحت جدران الزنازين تُستخدم لنقل النصائح والوصايا بين الأسرى الذين لا يلتقون. حتى تطور الأمر من مجرد كلمات إلى رسومات ونقوش فنية باستخدام أدوات بدائية (مثل الحصى أو معجون الأسنان).

ولان الفلسطيني ادرك مبكرا خطر العصافير والاثير والفضاء المفتوح على الحكايا، فاخترعوا طقوس مصاحبة الجدار في الزنزانة، فاتقنوا الدق على الجدران اولا، واتقنوا مصاحبة النمل وعد خطواتها، واتقنوا مصاحبة الزمن والايام ، وتعلموا الصبر والجلد باكرا، كل هذا واكثر اتقنه الاسرى الفلسطينييون وطوروه، حتى غدا السجن مدرسة تستولد الكلمات الجديدة، وتستنبط المعاني والحركات والهمزات واللمزات وتصنع منها لغة اخرى لا تحسن التقاطها اذن السجان، وان التقطتها لا تفتهم معانيها، ولا تاخذ بالا لدلالتها او مقصدها…

فمنذ حكاية عوض النابلسي [الشاعر الشعبي والمغني والمناضل والاسير والشهيد] سار الخلف على درب السلف، فاتقنوا فن مصاحبة الجدار، فحفروا قصائدهم واهازيجهم وشعاراتهم عليه، واستأمنوه اسرارهم، واودعوه انينهم وامانيهم… لكن بقي السبق يسجل لقصيدة عوض النابلسي والتي نقشها على جدران زنزانته في سجن عكا قبل إعدامه عام 1937 ، وربما لم يدر في خلده حينها، انه ينقشها على جدار الزمن، ويحفر كلماتها على تضاريس الوجع والايام لتبقى حية لاجيال واجيال..

بقيت قصيدة عوض النابلسي الاثيرة المنقوشة على جدران الزنزانة والايام حية بفعل عوامل كثيرة؛ لصدقها ووطنيتها ولحجم الوصايا والدروس الحبلى في بطنها ، حتى تناقلها الرواة ورواد الحركة الأسيرة جيلا بعد جيل حتى جائت فرقة اغاني العاشقين لتغنيها وتمنحها حياة ثانية…

يا ليل خلّ الأسير تايكمّل نواحو
ما ظلّ غير الفجر ويرفرف جناحو
يا ليل تمّم وداعك قبل ما ترحل
ويا فجر خفّف ضياك الهّم ما ينحلّ
يا ليل يا مجمع الأسرى ومرتعهم
تسمع شكاوي المساجين وتطلّعهم
ما كان ظني في الملوك تمشي وراها رجال
تخسا الملوك إذا كان هِيْ هيك أنذال
ظنيت فيهم عون وقت الشدّة والضيقِ
لقيتهم عند الشدايد ما نفعوا صديقِ
يا ليل خلّ الأسير يودّع عيالو
والدمع من عيونو يبلّل جبالو
يا ليل قلهُم لَـ “ياصيد” إنّي استشهدت
وعن حق بلادي وأرضي ما تراجعت
يا ليل سلّم على أهلي وقراباتي
وقلهم عوض بالوفا تمّم وصاياتي
يا ليل لا تنسى الأهل والربع والخلّان
وقلهم عوض ع المشنقة ما ذلّ ولا هان
عاش الوطن، وعاشت فلسطين الحرة
والموت للي خانها، ألفين مِيّة مرة

ذاعت القصيدة وانتشرت، حتى غدت اول درس موثق في ادبيات السجون… ومعها تحولت كلمات عوض النابلسي من مجرد “نقش على جدار” إلى مدرسة فنية وثورية ألهمت المناضلين وكبار الشعراء والادباء والفنانين والموسيقيين…

لكن يبقى الاهم اكتشاف الاسرى سر ايداع الحكايا في الجدار….فهناك حيث صدى صوتهم كانت تقبع خابية الامل والايام..

……….

كان جاري ابو جنيد مميزا ومتفردا باسمه، وكان اسمه مدعاة للسؤال والاستفهام ؟! لماذا جنيد…
وبعيدا عن اسم القرية النابلسية [جنيد] التي اقيم عليها السجن وحكاية البناء الذي تحول من مشفى الى سجن؛ بقي حديث ابو جنيد منصبا على قيمة الحكايا التي تزخر بها جدران هذا السجن…
كان يقول لي دوما تعلم مصادقة الجدار ، فانت وحسب الطريق التي تسير لامحال زائره، عاجلا ام اجلا…هذا الطريق موحش وصعب وطويل، ولابد لك من ان تتقن فنونه؛ واول هذه الفنون مصادقة الجدار…

كنت في مثل هكذا حوارات دائما اشاكسه ؛ فما ان يقول لي اولا حتى اقاطعه قائلا: اعرف اعرف…
المهم ثانيا فيبتسم ونضحك ونضرب كفا بكف وننهي الحديث…

كانت تلك احد اهم علامات التفاهم بيننا كي لا نختلف؛ فهو من تنظيم وانا من تنظيم آخر …

ومرة وعلى غير العادة، دخلنا في حوار، فعاد سيرته الاولى ، وقال : اولا تعلم كيف تصاحب الجدار…
فقلت له -وكلي رغبة بانهاء الحوار حسب لغتنا المتعارف عليها- : ثانيا لا اريد ان ادخل السجن ولا اريد ان اصاحب الجدار…
اجابني وعلى غير ما اتوقع: امثالك يجب ان يدخلوا السجن، سبق وان قلت لك ذلك… ان اجلا ام عاجلا..
تعجبت وعقدت حاجبي وعلا وجهي كشرة كبيرة .. فاستدرك يقول: امثالك قد يدخلون السجن لاسترجاع الحكايا…
قلت : اي حكايا يا ابا جنيد…
عاد وقال: مئات الحكايا، بل قل الاف منها…

املت براسي يمينا وشمالا محاولا استفهام الامر فتركني وهو يتمتم : اسمع الحكايا من افواه اصحابها يا مهند….

من حينها انطلقت وبدات ابحث عن حكايا المناضلين واستقيها من راس النبع، هناك تماما حيث يجلس السبع…

………

كانت اول موارد هذا النبع حكايات الاسرى…
تبعتهم ولاحقتهم، لملمت قصاصات الجرائد والمجلات، واستمعت لانينهم عبر الاثير الاذاعي، اقتربت منهم ومن عائلاتهم واحبائهم اكثر واكثر، زرتهم وزرت من زاملهم وعاشرهم، حتى غدت حكاياتهم جزءا مهما من دفاتر ايامي…

لم تكن سيرتهم قريبة ولا بالبعيدة عني؛ كانت مسافة الثورة… وكنت احث الخطى نحوها دوما وابدا…

كنت اكتب عنهم واجمع حكاياتهم ما استطعت…
ذات يوم وعبر الفضاء الازرق كتبت عنهم، جائني تعليق مزدحم ومكثف يقول: “الوفاء للاوفياء اهم خال”…
تكررت كتاباتي ومعها تكرر نفس التعليق المكثف: “الوفاء للاوفياء اهم خال”…

ومرت الايام والسنين ونحن على هذا الحال…الى ان علق صديق مشترك لنا بقوله : اخي مهند ، حاول ان تتصل بجمال وتحثه على البوح لك بحكايته في سجن الجنيد…

ولانني في مثل هكذا مواقف اعرف من اين تاكل الكتف، اتصلت بجمال في حينه، ودققت جدار زنزانته، فاستكتبته فجاد وافاض، واخذنا معا نجمع اشلاء الحكاية، جمال باهدابه واقلامه، وانا ب أناملي؟! كنت كمن يجمع حجارة الوادي، في بلاد ارهقها التعب… فطافت الحكايا …

جمال لم يتكلم وحده، اسعفه الحنين والقلم والذاكرة…
وحين قال كلمته، أنطق الحجر، وأيقظ الجدار، وخلّد الحكاية… ومن حينها صار للجدران ذاكرة…

استعنت بزوجته الماجدة والفاضلة ام مصعب لاستيضاح كثير من الامور…وليتبين لي معرفة جمال مسبقا!؟

كان جمال مقيما بالاردن بعد ابعاده اثر عملية تبادل للاسرى، وكان شغوفا بالعمل والنضال لاجل الوطن، كان صاحبنا يفتل البلد من شمالها لجنوبها، حيث كانت صحته تسعفه في ذلك…
تحصل جمال على عضوية مؤتمر حركة فتح السادس المنعقد في بيت لحم سنة 2009…
ترافقنا سويا كممثلين للساحة الاردنية… عبرنا جسر الاحلام والعودة حتى حطت رحالنا في بيت لحم.
كان جمال من ثلة حسمت امورها سلفا… قرروا البقاء مهما كان الثمن، ولم يخفوا صيحتهم وصوتهم المسموع وهم يرددون: من هالمراح مافي رواح…
وهذا ما حصل، برخ الجمل واناء بحمله حيث الكلمة الاولى والاصل؛ دار صلاح … بيت لحم ، وفيما بعد استقدم عائلته ومنحهم دفيء عينيه، ومنحهم احلامه بوطن حر لشعب من الاحرار… ولكن يبقى الامر الاهم استرجاعه الهوية التي احب، واضاف معها وعليها سيرة مجللة بالعز ومسيرة مكللة بالفخار…

……..

استكتبته وانطقت الجدار فجاد وافاض الخال ليلقي بظلاله على الفصل الاجمل في الحكاية…

تلك الحكاية التي تقول إن بعض الرجال يولدوا مرتين:
مرة من رحم أمهاتهم، ومرة من فوهة الألم. أما جمال الحزيبي، فقد وُلد ثالثة… حين خسر صوته، ولم يخسر صدى روحه.

في البدء… لم يكن في القصة سوى راعٍ صغير، يمشي خلف غنمه في براري دار صلاح، حيث الريح تعلّم الحجر الصبر، والشمس تكتب على الجباه معنى البقاء.
هناك، في مغارةٍ نائية، لم يكن القدر ينتظر أحدًا… لكنه كان ينتظر جمال.
وجد المسدس.
لم يكن مجرد قطعة حديد؛ كان كأنه سؤالٌ معلق في الهواء:
“هل تجرؤ أن تكون شيئًا أكبر من خوفك؟”
رفع جمال السلاح، ولم ترتجف يده.
أطلق الرصاصة الأولى…
فلم تصب الهدف فقط، بل أصابت داخله شيئًا لم يكن يعرفه:
أن في صدره قلبًا لا يخطئ.
منذ تلك اللحظة، صار الرصاص لغته الأولى… قبل أن يُحرم لاحقًا من كل اللغات.
حين وصل إلى معسكر الهامة في الشام، لم يكن يشبه الآخرين.
كان دقيقًا أكثر مما ينبغي… صامتًا أكثر مما يُطمئن.
شكّ المدربون.
فالذي لا يخطئ… يُخيف.
وصلت الحكاية إلى خليل الوزير ابا جهاد.
أصغى… ثم قال بهدوء القائد الذي خبر الخيانات والانتصارات معًا ومنها خبر معدن الرجال الرجال:
“اتركوه… الميدان وحده يكشف معدن الرجال.”
لم يدافع عنه.
ولم يتهمه.
بل سلّمه لقدره ولخطواته التي احبت فلسطين…
كم كان محقا ابا جهاد حبن سلمه لقدره كما تُسلّم الأم ابنها للحياة.

عاد جمال إلى فلسطين…
وكانت الأرض حينها تغلي.
حين سمع أن المسجد الأقصى يُنتهك، لم يسأل، لم ينتظر، لم يفكر حتى…
ركض.
هناك، بين الحجارة والدخان، جاءت الضربة من الخلف.
قنبلة غاز… لكنها لم تُصبه فقط؛ بل سرقت من جسده حركته، ومن صوته حنجرته.
سقط…
وكأن الأرض قررت أن تحتفظ به قريبًا منها.
حين عاد إلى قريته، كان نصف رجلٍ في جسدٍ كامل الألم.
لكن النار التي اشتعلت يوم المغارة… لم تنطفئ.
التقى بمحمد الديك.
صديق… رفيق… مرآة روح.
صنعا معًا عبوة من وجعهم:
حديد، مسامير، ومقدار كبير من الحلم.
لكن القدر لا يعرف المجاملة ، واحيانا لا يعرف اصحابه حق المعرفة، او انه يمهلهم الى حين ويدخرهم الى يوم موعود ومشهود…
او انه يردهم ثورا في درب الالام شهودا على القيامة والجلجلة…

المهم اهتزت ساعة القدر
واهتزت العبوة…
ثم انفجرت.
في لحظة واحدة:
فقد محمد بصره…
وكاد جمال يفقد حياته.
رآه محمد يُذبح أمامه… فآمن أنه استشهد.
أما جمال، ففقد صوته… ليبقى حيًا كأنّه شاهد على نفسه.

……

في الجنيد… كانت الأرواح تُعدّ الأيام كما يُعدّ الغرقى أنفاسهم.
وصل محمد… أعمى، لكنه محمّل بصورة أخيرة:
جمال وهو يموت.
قالوا له:
“هو حي.”
لم يصدق.
كيف يعود الموتى؟
وفي ساحة “الفورة”…
حيث يختلط الضحك بالقهر، والرياضة بالحكايات، والرجال بظلالهم…
نزل محمد درجات السجن كأنه ينزل إلى قلب الحقيقة.
جمال كان هناك.
يرى… لكنه لا يتكلم.
ومحمد… يتكلم، لكنه لا يرى.
اقترب محمد.
لم يعتمد على عينيه… بل على يديه.
تحسس وجهه.
جبهته.
جراحه.
وحين تأكد انه جمال…
انفجر.
لم يكن بكاءً.
كان زلزالًا بشريًا.
صرخ… ضحك… بكى… قفز كطفلٍ وجد العالم بعد أن فقده.
أما جمال…
فبكى بصمتٍ مدوٍ.
حاول أن يتكلم…
لكن صوته خرج كفحيح روحٍ مكسورة.
في تلك اللحظة…
بكى السجن كله.
ليس حزنًا…
بل لأن الحقيقة كانت أكبر من الاحتمال:
أعمى يتحسس ويتلمس وجه صديقه…
وصامت يتلوى يئن يصرخ بكل ما فيه.

ثم مرّ الزمن… كعادته، لا يلتفت.
جاءت صفقة تبادل.
خرج الاثنان… من السجن، لا من القصة.
وفي مفارقة لا يفهمها إلا الفلسطينيون…
وجدوا من يحبهم كما هم.
تزوجوا.
ضحكوا.
عاشوا.
وانجبوا
ليس لأن الحياة سهلة…
بل لأنهم قرروا أن يعيشوا رغم كل شيء، رغم الداء والاعداء، كالنسر فوق القمة الشماء يضرب موعدا..
مع طائر الفينيق المنبعث دائما من تحت الرماد والعائد ابدا….
متسلحين بالامل وهم يرددون” نحب الحياة ما استطعنا اليها سبيلا”

أما جمال ، صاحب الجدار المنقض والحكاية المنفضة منه، فعليك ان تغمض عينيك وان تنصت لصوت طرقاته على الجدار لتعرف الفصل الاكثر وجعا من الحكاية …

 

جمال الحزيبي ومحمد الديك
جمال الحزيبي ومحمد الديك

 

عاد جمال الى وطنه حيث كنيسة المهد واصل الحكاية … وبقي على العهد والوعد يتمتم بكلمات بدت للوهلة الاولى كطلاسم، وبعد ان انصت لتمتماته جيدا، بدات اجمع شملها، فهي ليست غريبة على مسمعي، لكن حروفها مبعثرة، كسور مكسور تاهت حصاه…

لله درها الماجدة ام مصعب، لم تتركني اجمع حصى السيل وحدي؛ فاوضحت لي مراد زوجها قائلة: جمال بغني…بغني.. هذه اغنية بحبها ، و دايما زي ما انت شايف، لما تولع معاه بصير يتمتم ويدندن فيها…

لم يغب عن ذهني هذا اللحن…التقطت التمتمات واخذت ادندن فيها مع جمال، حتى استفاق لحنها في داخلي، فامسكته بقبضة يدي، وتشبت به…وبدات اهز ذاكرتي حتى استرجعته من خابية الحنين..

وما ان تمكنت منه؛ اغلقت قبضتي عليه باحكام، وشددت ساعدي واخذت اهزها كما فعل جمال منذ بداية الدندنة وانطلقت هاتفا:
“أنا إبن فتح ما هتفت لغيرهـا
ولجيشها المقدام صـانـع عـودتي
فهي التي صنـعت لشـعبي ثورة
وهـي التي شقـت طريـق العزة”

بقيت اهتف واغني واغالب الدمع وما استطعت، وكذلك الحال مع جمال؛ بقي يدندن حتى ابتلت الدموع وفاض الحنين وطاف الوجع…

إلا انه لم يستعد صوته أبدًا.
كان صوته قد استشهد، ولم يبق منه إلا الصدى…
لكنه لم يحتج إليه.
لأن بعض الرجال …
حين يصمتون،
تصبح حياتهم هي الحكاية.