في الأول من أيار، حيث يُفترض أن يكون عيد العمال العالمي مناسبة للاحتفاء بكرامة العمل ودور الطبقة العاملة في بناء المجتمعات، يمر هذا اليوم في منطقتنا مثقلاً بأسئلة قاسية أكثر من كونه مناسبة احتفالية. فالعامل هنا لم يعد يقف أمام تحديات المهنة فقط، بل أمام منظومة معقدة من الانقسام السياسي والاقتصادي الذي حوّل العمل نفسه إلى معركة بقاء يومية.
وأثناء متابعتي لمقال الزميل عمران الخطيب حول معاناة عمال فلسطين، وجدت نفسي أمام مشهد إنساني ثقيل يعكس حجم الألم الذي يعيشه العامل تحت الاحتلال. لكن، وبالمقارنة مع واقع آخر لا يقل قسوة، بدا لي أن معاناة العمال في اليمن قد تتجاوز ذلك في بعض جوانبها، نتيجة تداخل الانقسام السياسي مع الانهيار الاقتصادي وتعدد مراكز القرار، ما جعل حياة العامل اليومية أكثر تعقيدًا وتشابكًا.
في فلسطين، يواجه العامل واقعًا أكثر قسوة يتمثل في الاحتلال الإسرائيلي، حيث يُستهدف حقه في العمل والحياة معًا، ويتحول لقمة العيش إلى أداة ضغط ومعاناة يومية تحت سياسات قمع وإقصاء ممنهجة. وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال الدور الذي يقدمه الكاتب عمران الخطيب، الذي يواكب في كل منعطف تاريخي تطورات المشهد الفلسطيني، وينقل معاناة الشعب الفلسطيني ويسلط الضوء على صموده وتحدياته المستمرة، بما يعكس التزامًا بالهمّ العام وقضاياه المصيرية.
أما في اليمن، فإن المشهد لا يقل قسوة وإن اختلفت أدواته؛ إذ يعيش العامل بين سلطتين واقتصادين مختلفين داخل بلد واحد، ما جعل لقمة العيش نفسها رهينة الانقسام السياسي وتباين السياسات الاقتصادية.
العامل الذي يتقاضى راتبه في مناطق الحكومة المعترف بها، يجد نفسه عاجزًا عن مجاراة انهيار العملة وارتفاع الأسعار، فيما تتضاعف معاناته حين تكون أسرته في مناطق أخرى، حيث تتحول تحويلات راتبه إلى خسارة متتابعة في القيمة، حتى يفقد دخله معناه الحقيقي بين الصرف والتحويل.
إلى جانب ذلك، يبرز واقع شريحة واسعة من الموظفين الذين نُقلت مؤسساتهم من صنعاء إلى عدن، حيث وجدوا أنفسهم أمام حياة جديدة قسرية لا تخلو من التعقيد. فكثير منهم لا يستطيع العودة إلى صنعاء للقاء أسرته، رغم امتلاكهم منازل هناك، ليس فقط بسبب الظروف المعيشية، بل بسبب مخاوف أمنية قد تصل إلى الاعتقال أو السجن، ما يجعل العودة مخاطرة حقيقية. وفي المقابل يواجهون ارتفاعًا كبيرًا في الإيجارات وتكاليف المعيشة في عدن.
وتتحول الزيارات العائلية إلى محطات متقطعة ومكلفة، حيث يُضطر بعضهم إلى استقدام أسرهم إلى عدن لفترات قصيرة، وغالبًا ما يتم اللقاء في فنادق أو أماكن مؤقتة خلال المناسبات، في مشهد يعكس حجم الانفصال الإنساني الذي فرضه الواقع السياسي والاقتصادي، حتى داخل الأسرة الواحدة.
ناهيك عن غياب الحماية الاجتماعية، وانكشاف العامل أمام تقلبات الاقتصاد، بل وحرمان كثير من الشباب العاملين في الأجهزة الأمنية أو العسكرية من حقهم الطبيعي في زيارة أسرهم، خوفًا من تبعات أمنية قد تصل إلى الاعتقال أو المنع، ليصبح الانقسام السياسي جزءًا من الحياة الشخصية للعامل، لا مجرد واقع عام.
في المحصلة، لم يعد العامل في منطقتنا يحتفل بيومه، بل يواجهه كمرآة تعكس حجم الاختلال في العدالة والاستقرار. وبينما يرفع العالم شعارات التكريم، يبقى العامل هنا في انتظار ما هو أبسط: أن يتحول العمل من وسيلة للبقاء… إلى طريق للحياة الكريمة.









