دولة السلطة… حين تتحول السلطة إلى نقيض الدولة:

بقلم : عماد خالد رحمة _ برلين.

في التاريخ السياسي للمجتمعات، ظل التداخل بين مفهومي “الدولة” و”السلطة” إشكالاً مركزياً. لكنّ الخطر يتجلى حين تطغى السلطة على الدولة، فتصبح أداة قمع عارية من أي غطاء شرعي، مستندة إلى عصبيات ضيقة: طائفية، دينية، طبقية أو عسكرية.
يقول جان جاك روسو: “يولد الإنسان حراً، لكنه في كل مكان مكبل بالأغلال.”
وقد عنى بذلك أن الأنظمة القمعية تُجرد الإنسان من مواطنيته، تماماً كما تفعل دولة السلطة حين تصادر إرادته العامة لصالح نزعاتها الأيديولوجية.
إن دولة السلطة ليست دولة بالمعنى الذي قصده الفلاسفة الكلاسيكيون، بل هي الكيان الذي حذر منه مونتسكيو حين قال: “السلطة يجب أن توقف السلطة.”
وإلا انفلتت لتتحول إلى وحش مفترس يلتهم مؤسسات الدولة نفسها.
وقد صاغ ماكس فيبر تعريفاً كلاسيكياً للدولة بأنها: “الكيان الذي يحتكر الاستخدام المشروع للعنف ضمن إقليم معين.” غير أن دولة السلطة تفرغ هذا التعريف من مضمونه، لأنها لا تمارس العنف لضمان النظام العام، بل لضمان بقاء فئة في السلطة.
ويُعزز بيير بورديو هذا الرأي حين يكتب: “الهيمنة الثقافية تسبق الهيمنة السياسية، فالعنف الرمزي يُطوّع الأفراد طواعية.” أي أنّ دولة السلطة لا تحتاج دائماً إلى البطش، بل تستخدم المؤسسات التربوية والدينية والإعلامية لإعادة إنتاج خضوع المجتمع.
أما عالم الاجتماع ابن خلدون، فقد صاغ تشخيصه القاطع حين كتب: “الملك إذا فسدت عصبيته فسد أمره، وصار مغنماً بين أهل الدولة.”
وهكذا تصبح العصبية الأداة الوحيدة التي تربط الحاكم بالمحكوم، لكنها رابطة موت، لا حياة.
يرى الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي أن “الدولة هي توازن بين القوة والرضا، وبين القسر والهيمنة.”
لكن دولة السلطة تُخل بهذا التوازن، إذ تميل كفة القسر على حساب الرضا، مما يقوّض شرعيتها ويُسرّع انهيارها. وعندما تنهار دولة السلطة، لا ينهار نظامها فقط، بل تُفتح بوابات جهنم أمام المجتمع:
صراعات طائفية، انفصالات إثنية، حروب أهلية باردة وساخنة، تماماً كما رأينا في دول عدّة بعد انكسار الأنظمة السلطوية: من العراق إلى ليبيا، ومن سورية إلى اليمن.
ويؤكد المفكر اللبناني علي حرب: “الاستبداد لا ينهار من قمة الهرم فقط، بل يسقط حين تنكسر شرعيته الثقافية.”

الخلاصة :
أن البديل عن دولة السلطة ليس الفوضى، بل الدولة الحقيقية، دولة القانون، المواطن، والمؤسسات. الدولة التي تقوم على عقد اجتماعي لا على إرث سلطوي. دولة لا تهتز إن تغيرت السلطة، لأنها محصّنة بشرعية الناس، لا بعصبية فئة.