في كل مرة تنعقد فيها مؤسسات حركة فتح، يخرج من يختزل الحدث في عبارات إنشائية من نوع “يفتقد للرؤية” و“لا يناقش التحديات”، دون أن يقدم بديلًا حقيقيًا أو قراءة معمّقة للواقع السياسي الفلسطيني شديد التعقيد. وهذا ما بدى في مقال السيد اكرم عطا الله
أول ما يلفت في هذا الطرح أنه يفترض، دون دليل، أن المؤتمرات السياسية يجب أن تُنتج حلولًا فورية ونهائية. هذا فهم سطحي لطبيعة العمل السياسي، حيث تشكّل المؤتمرات محطات تنظيمية وتراكمية، لا منصات لإعلان “حلول سحرية”. فالنقاشات الداخلية، حتى لو لم تُبث إعلاميًا، تبقى جزءًا أساسيًا من إعادة ترتيب الأولويات وبناء التوافقات.
أما الادعاء بأن المؤتمر “تحوّل إلى توزيع مناصب”، فهو اتهام جاهز يتكرر في كل الأطر السياسية العربية تقريبًا. لكن السؤال الجوهري: هل يمكن لأي تنظيم سياسي أن يعمل دون إعادة هيكلة قياداته؟ تداول المواقع ليس عيبًا بحد ذاته، بل قد يكون ضرورة لضخ دماء جديدة، بشرط أن يتم ضمن أطر مؤسساتية.
الحديث عن “عدم إدراك حجم الأزمة الفلسطينية” يتجاهل حقيقة أن حركة فتح هي جزء من بنية النظام السياسي الذي يتعامل يوميًا مع هذه الأزمة، من الضفة إلى المحافل الدولية. قد نختلف مع الأداء، نعم، لكن نفي الإدراك بالكامل هو تبسيط مخل، لا يصمد أمام أي تحليل جدي.
كذلك، فإن التركيز على “الصراعات الداخلية” يُستخدم غالبًا كأداة لتشويه أي حالة نقاش أو اختلاف، رغم أن الاختلاف داخل الحركات السياسية ظاهرة صحية إذا بقي ضمن الأطر التنظيمية. البديل عن ذلك ليس الوحدة، بل الجمود.
المفارقة أن من يقدّم هذا الخطاب لا يطرح رؤية مقابلة: ما هي السياسات البديلة؟ ما هو التصور الواقعي لمواجهة التحديات؟ كيف تُدار العلاقة بين العمل الوطني والواقع الدولي؟ غياب هذه الإجابات يكشف أن ما يُطرح ليس تحليلًا، بل موقفًا سياسيًا مسبقًا يبحث عن تبرير.
في النهاية، النقد مطلوب، بل وضروري، لكن قيمته تقاس بقدرته على الإضافة، لا بالتكرار والشعارات. أما الاكتفاء بإطلاق أحكام عامة، فهو لا يخدم وعيًا سياسيًا، ولا يساهم في تطوير الحالة الوطنية، بل يعمّق حالة الإحباط دون تقديم مخرج.





